أتى مغترباً منذ ٣ سنوات للعمل، تختلف عليه الوجوه والطرقات، تجربة جديدة وآمال كثيرة، يمشي متردد الخطوات يحاول استعادة ما تعلمه من تلك اللغة الجديدة، وجد من قدّره كإنسان ومن عامله كحيوان! لم يعتقد أن عمله شاق لدرجة النوم لساعاتٍ يقضيها البعض فقط لمجرد الاستجمام! عملٌ فيه يخدم الآخرين وينظف ويتحمل نفسيات البشر، (لم هي معقدة في هذه الأرض؟) لم يترك له عمله فرصة للتأمل والتفكير، وإنما يجد الوقت لذلك عندما يتوقف ينتظر مخدومه أن ينادي عليه، فينزلق حبل أفكاره ويشنقه استجابة لصرخة! ليس له حب في خدمة أحد درجة التذلل ككل إنسان لديه كرامة ولكن ظروف حياته كسرته وأجبرته، لم يذكر أنه تحدث كثيراً سوى بكلمات تطييب الخاطر لمن ظلمه ورفع عليه صوته، وكلمات الشكر لمن أكرمه، تلك الكلمات التي حفظها من تلك اللغة المختلفة باتت شريكة وحدته. في بلده كره الحيوانات وأحب البشر، لم يجد في غربته وذله سوى العيش مع القطط، العجيب أنه أحب واحدة منها كانت ترافقه في كل طلب يلبيه فزعاً، رغم أنه لم يعطها شيئاً ولكن ربما أحست بمأساته عندما لم يشعر به أحد! فأصبحت رفيقة نومه وعمله ويومه، كانت سعادته الوحيدة في سنوات غربته، لم يداعبها أبدا ولم يطعمها، ولكنها تلاحقه وكأن روح من يعشق في بلاده تتلبسها طمأنينة عليه، ورغم كرهه للحيوانات ولكنه أحبها لأن كل أحاديثهم كانت بالعيون، ليست عيوناً عاشقة ككل المترفين ولكن عيون حالمة ككل المنكسرين، أدرك كيف للحيوانات حنان مختلف وكيف كان يرفضهم، هي وحدها كانت وقوده، وكانت عناوين صباحاته ومساءاته! وفي يوم مشمسٍ وفي غرفته الضيقة، لا شيء فيها سوى مروحة تتمايل توشك على السقوط، يتمنى أن تسقط عَلَيْه ليس اكتئابا وَلَكِن يقينا أن هناك حياة أخرى له تختلف، يؤمن أن بعد مماته حياة أخرى على شكل آخر، ولو كان له اختيار فسيختار أن يعود (كقطة)، استيقظ في ذلك اليوم المشمس صباحاً فوجد قسوة البشر قد قتلت قطته على قارعة الطريق عندما كانت آتية له عند استيقاظه، لم يحتمل العيش دون شريكته التي لم يعطها قدر ما أعطته، ودون أن يفكر حزم حقائبه وعاد لبلاده عاشقاً للقطط! كان يؤمن أن كل شعور يكنه لن يتغير، ولكنه أدرك أن المشاعر لابد أن تتغير بالتجارب، ولن يَصْل أحد للكمال العقلي حَتَّى ليحكم على قطة!