نجحت كثير من السرديات العربية في تحويلها إلى أعمال درامية ومسرحية عبر تركيب السيناريو والحوار فيها، فهناك عدد من التجارب العربية التي شهدت نجاح التجربة مثل تحويل رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري إلى فيلم، وروايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان وغيرهم كثير، وبعض تلك الأعمال الروائية معقّدة، إلا أنها نجحت سينمائياً، ولكننا نجد أن الأعمال الروائية التي يتم تحويلها إلى مسرح ودراما في الآونة الأخيرة قليلة جداً مقارنة بالإنتاج الروائي الغزير، مقابل الإنتاج الدرامي الهائل والمفتقر للنص الروائي، وحول هذا المحور تساءلنا عن تحويل الأعمال الروائية إلى دراما ومسرح هي مسؤولية من؟. السيناريست الذي أهمل الرواية أم الروائي الذي لم يقدّم عمله إلى السيناريست؟.

منى الشمري: الفنان في الخليج ليس مثقفاً وغير قارئ!

تجيب السيناريست أماني السليمي بأنها مسؤولية السيناريست إذ يجب عليه أن يكون "متعمّقاً بقراءة العمل الروائي، فإن تعايش مع النص وتكونت لديه الرؤية الواضحة والعميقة تجاه الشخصيات والأحداث والأماكن تم تحويل المقروء إلى المشاهد وتبديل الرواية إلى عالم السيناريو فيبدأ بتحليل الشخصيات وإظهارها بشكل يتناسب مع التسلسل الدرامي، وأن يبرز ملامح التشويق وعنصر المفاجأة؛ لكي ينجح العمل".

أما الروائية الإماراتية أسماء الزرعوني فترى بأن المسؤولية لا تقع عليهما، بل "أنها -مع الأسف- أصبحت مسؤولية المنتج! ماذا يريد المنتج؟! وخاصة في هذا الزمن أصبح  كل شيء تجارة، كما أن للمصالح دورها، وكذلك هوس التقليد الذي أصاب بعض الكتاب والمنتجين للمسلسلات التركية!".

شيماء المرزوقي: يفترض وجود رابطة للدراما والمسرح

وتتفق معها الناقدة الجزائرية رحمة الله أوريسي، إلا أنها ترى أن المسؤولية تتعلق بالمخرج "المتعطش إلى نقل الحدث الاجتماعي الواقعي انطلاقاً من أن الفيلم يؤثر في المتلقي من خلال التمثيل أكثر من الرواية كلغة جافة وربما هذا يقرب الرواية إلى الواقعية أكثر؛ لأن الرواية كمادة لغوية أقرب لذهن المتلقي كخيال مهما كانت درجة واقعيتها، ولكن التمثيل يعطيها مساحة أكثر بأن تصبح مادية وأقرب للواقعية بالإضافة إلى أن النص الروائي الممثل يصل لكافة المتلقين؛ أي المتلقي العارف والمتلقي البسيط" وتضيف بأن المتلقي: "الذي لا يملك في رصيده لغة قد لا يتمكّن من قراءة الرواية، وحتى لا يتم استبعاد أو تهميش الجهة غير القارئة يتم تعميم العمل الروائي وقلبه من لغة إلى صورة، فليس كل الروايات قابلة أن تقلب لعمل درامي، ولكن فقط هذا كتعليل على قابلية تعميم العمل الروائي على الجميع وربما هذا ينحصر في دور السيناريست والمخرج".

في حين ترى الروائية الكويتية منى الشمري أن المسؤولية مشتركة بين المخرج "المثقف والمنتج الواعي والفنان النجم الذي يملك أن يفرض نصه على القناة المنتجة ولكن لأن نظرة النجوم تقليدية للدراما والعمل الفني في مجمله إيقاعه تجاري سريع، ولأن الفنان القارئ المثقف غير موجود إلا بنسبة واحد بالمئة؛ لهذا لا نجد أن الروايات تتحول لأعمال درامية ومسرحية وغيرها. نحن في الكويت مثلا لا نرى من يهتم بالفعاليات الثقافية وندوات معرض الكتاب إلا فنانا أو اثنين مثل الفنان سليمان الياسين وهو قارئ من الدرجة الأولى وأيضاً جاسم النبهان الذي حضر بعض فعاليات معرض الكتاب وغيرها. أعني أن الفنان في الخليج بشكل عام ليس مثقفاً وغير قارئ! هو يقبل بأي نص يعرض عليه ليشتغل"، وتضيف بأن بعض الفنانات "يوقعن مع المنتج والنجوم على العمل قبل أن يعرفن ما هو طبيعة الدور؛ لأن الأهم أن يشتغلن ولا يبقين جالسات في البيت موسما كاملا تحت شعار "أي عمل والسلام" وهذا بسبب جهل الفنان بدوره في المجتمع وبعضهن يرددن الفن رسالة وترى أن الرسالة خارجية وليست عميقة من الداخل لذا تبدأ رسالة الفن بنفخ الشفاه وليس نفخ الروح في النص الذي يموت بالأداء المصطنع الرديء".

ويرى الروائي سطام الحقباني أنه بسبب تداخل المعنيين بهذا الأمر لا يمكن ارتكاز المسؤولية على السيناريست أو المخرج أو "حتى النقابة التي تعنى بالسينما، فالروايات العربية التي تصلح قولبتها سينمائياً نوعاً ما محدودة رغم أن المجال مفتوح للجميع لكن أين السيناريست الذي يقرأها؟" ثم يضيف: "لعل قلة الروايات الصالحة درامياً ومسرحاً هي سبب رئيس، بالإضافة إلى ندرة السيناريست "الذكي" الذي يقرأ في كل جانب من الأدب العربي، لأن النزعة الدرامية الحالية "متشابهة قصصياً" خصوصاً الخليجية منها".

أما الروائية الإماراتية شيماء المرزوقي فتشير إلى تساؤلنا الدائم عن الجهة التي "يفترض بها رعاية المؤلف ومساعدته وتقديم النصح والإرشاد، وأيضاً دعم نشر منجزاته، وعدم تركه وحيداً في مواجهة الناشر، الذي يقسو على المؤلف، ويتجاهله، أعتقد أنه يفترض وجود جمعيات أو رابطة أو اتحاد للدراما، وأيضاً -لأبي الفنون المسرح-، لسبب بسيط، وجود مثل هذه الهيئة أو النادي المتخصص، سيضم النخب، وأيضاً سيعمل على اختيار المنجزات الروائية القوية حبكة وفكرة، لكن هنا نقطة جديرة بالملاحظة تتعلق الدراما وأيضاً المسرح، أنهما في كثير من الأحيان يجدون أنه من الأجدى أن يكتب المنجز ويوجه لهما مباشرة، ولا يتم تحويله من قصة أو رواية، وأعتقد أن هناك أسباباً وقد تكون مادية في أحيان، ولا أخفي أننا في السياق ذاته نحتاج للمزيد من الحضور للمجال الكتابي المسرحي وللدراما، وأعتقد أن من يستطيع التأليف في مجال حيوي وكبير مثل الرواية، يستطيع كتابة مسرحية أو سيناريو محكم".

وبسؤالهم عن قلة هذه الأعمال: هل تعود لافتقار الساحة للسيناريست أم للروايات القابلة للتحويل؟. تجيب الزرعوني بأن الساحة "مليئة بالنصوص الجيدة والجادة ولكن لا يلتفت إليها المنتجون؛ لأنهم يبحثون عما يدر عليهم الربح في سوق إنتاج المسلسلات، والتي لا نجد فيها أي هدف سوى أنها متكررة وتسيء للمجتمع". وتتفق الشمري معها فترى بأن الفنان والمنتج "ليس لديهما رغبة حقيقية في رفع مستوى الدراما الخليجية وانتقاء روايات وقصص مغايرة لأنهما لا يشجعان الفكرة المغايرة ولا يعتنيان بالقيمة الفنية بل الغالبية تشجع الرداءة والتفاهة والنصوص المهلهلة والشخصيات البلاستيكية المملة بلا روح ولا وعي، فتجد أخطاء فادحة في الأعمال الدرامية الخليجية مثلاً موضوعات الحكاية مملة ومكررة، والشخصيات تتكلم بأسلوب واحد بمعنى أن العمل الفني لا يمارس مع الشخصيات المسار الطبيعي في الحياة حتى بالنسبة لأفراد الدائرة الواحدة بل يفصلهم عن الواقع دون مبرر درامي ونجد المشهد الأصلي في الحياة غائباً في الدراما لأنها لا تتبناه ولا تعتني به، ومنفصلة تماماً عنه ناهيك عن التركيز على وجود مجاميع من الممثلات في العمل الواحد؛ لأسباب تجارية، كما أن كثيراً من أعمال الدراما تفترض أن المشاهد لا يفهم فتجد الكلام المكرر كثيراً والشخصية تتحدث مع المشاهد كطفل: أنا بعمل كذا وكذا، وأنا غلطت بكذا، وهكذا تكون السذاجة بطلة العمل، والأخطاء الفنية تتكرر في العمل الذي يقع مثله مثل غيره من أعمال في الفخ التقليدي".

وتعتقد المرزوقي أن الساحة تعاني من شح في كتاب السيناريو "وأحسب أن هذا واقع ومشاهد، وإذا حدث وجود من هو متخصص في هذا المجال فإن علاقته مع المؤلفين في مجال الرواية تحديداً تكون متواضعة، أو هو نفسه لا يكون لديه متابعة للساحة الروائية وما الجديد وما ينشر فيها، وهذا يسبب فجوة، كما أن اختيار الأعمال التي يرى تحويلها لمسلسل أو فيلم أو لعمل مسرحي، ليس قرار السيناريست، وكما نلاحظ فإن ما يقدم للمشاهد اليوم محدد ويتناول موضوعات محددة خاصة في الشأن الاجتماعي"، وتضيف أوريسي إلى حديث المرزوقي بأن هناك "بعض الروايات مع وجود الحداثة والخيال الروائي تصعب على السيناريست تحويلها، لكن بوجود السيناريست الجيد باستطاعته التلاعب بالنص مع وجود الفكرة الرئيسة لها".

وتختلف السليمي معهم: "لا هذه ولا تلك، بل بسبب صعوبة ذلك، فالرواية تهتم بالتفاصيل الدقيقة اللا مرئية كالطعم والرائحة والمشاعر العميقة وهذه الأشياء كفيلة بنجاح العمل الروائي بخلاف الدراما الذي يهتم بالأحداث والشخصيات. معظم الأعمال الدرامية تفشل عندما تقتبس من رواية، بخلاف الأعمال الدرامية الناجحة التي تتحول إلى رواية فتغييرها يكون أسهل من ذلك، على سبيل المثال هناك رواية العطر نجحت كفيلم وكرواية".


أسماء الزرعوني

منى الشمري

رحمة الله أوريسي

شيماء المرزوقي