"كان إدوارد سعيد يؤلف هذا الكتاب عندما توفي صباح يوم الخميس، 25 سبتمبر 2003". هكذا تفتتح مريم سعيد -زوجة إدوارد- واحدة من مقدمات الكتاب الأخير للمفكر الفلسطيني الراحل "عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار" والذي صدر هذا العام بترجمة فواز طرابلسي عن دار الآداب. الكتاب يعد بمثابة "وصية" سعيد الفكرية والثقافية ورائعته في آن، كما يصف طرابلسي في مقدمة كتاب "عن الأسلوب المتأخر". أو "خطبة الوداع" وفق مايكل ستاينبرغ في مقدمة أخرى وهو يدرس الأعمال الأخيرة لموسيقيين وأدباء من بيتهوفن إلى هنريك ابسن وآخرين.

يكتب صاحب "الاستشراق" في كتابه الذي صدر بالإنجليزية عام 2006، سائلاً: "هل المرء يزداد حكمة مع العمر؟ وهل ثمة مؤهلات فريدة في الرؤية والشكل يكتسبها الفنانون بسبب العمر في الفترة المتأخرة من سير حياتهم؟". يشير سعيد إلى أنه -ولأسباب شخصية بديهية - الفترة الأخيرة أو المتأخرة من الحياة، فترة تحلل الجسد واعتلال الصحة أو حلول عوامل أخرى؛ تحمل إمكانية النهاية قبل الأوان حتى لمن لم يتقادم به العمر، مركزاً في هذا الكتاب على كبار الفنانين وكيف اكتسى كلامهم وفكرهم في نهاية حياتهم، لغة جديدة وهو ما سوف يسميه "الأسلوب المتأخر". متوقفاً عند مسرحية "عندما يستيقظ الموتى" لهنريك إبسن، ومشيراً إلى أن "مسرحيات الكاتب النرويجي الأخيرة، توحي بفنان غاضب مضطرب، توفر له واسطة المسرح مناسبة لاستثارة المزيد من القلق والعبث غير المسبق بإمكانية الختام تاركاً المشاهدين أكثر حيرة واضطراباً من ذي قبل". يعلق سعيد: "هذا النوع من التأخر، بما هو أحد العوامل الفاعلة "المؤثرة" في الأسلوب -الإبداعي للفنان- هو ما أجده بالغ الإثارة"؛ على حد تعبير صاحب "الثقافة والإمبريالية".

الكتاب الذي ضم أربع مقدمات -ربما كانت مقدمتا المترجم وزوجة سعيد، تفيان بالغرض-، شمل سبعة فصول، شملت الكثير مما هو ذاتي وسِيَري "السيرة الذاتية"، ولا ننسى أن مسألة "الأسلوب المتأخر" متصلة أيضاً بتجربة إدوارد سعيد الشخصية مع مرض السرطان، عندما اكتشف المفكر الفلسطيني أنه مصاب بالمرض بعد فحصٍ روتيني، في سبتمبر من العام 1991، وهو ما دفعه حسب مايكل وود، إلى كتابة مذكراته بعنوان "خارج المكان" الذي بدأها عام 1994 ونشرها عام 1999 ليترجمها إلى العربية فواز طرابلسي إلى العربية بعد عام. بعد هذا الكتاب كتب سعيد العديد من الدراسات والبحوث وانشغل بالتدريس والسفر والمحاضرات والتأليف في القضايا الفكرية والسياسية، مبتعداً عن واحد من مجالاته الأصيلة، وهو الفنون الأدبية والموسيقية، التي يستعيدها في هذا الكتاب، بجرعة نقدية وسيكولوجية حاسمة في آن.

في الكتاب أيضاً دراسة غاية في الإمتاع والأهمية بعنوان "عن جان جينيه"، يفتتحها سعيد، بالحديث عن أول مرة شاهد فيها الأديب الفرنسي الشهير في نيويورك مطلع السبعينيات، قادماً ليخطب تضامناً مع حركة "الفهود السود Black panther" وهي حركة السود الأميركية المناهضة للعنصرية. يصف سعيد المشهد وكيف حرف المترجم الأميركي كلمات الأديب الفرنسي لتشمل العديد من البذاءات والشتائم ضد "البلد الرأسمالي"، غير أن جانييه لم يكترث. وبعد مدة، يلتقي سعيد جانييه المعروف بمناصرته القضية الفلسطينية، ليحدث جينيه سعيد عن سارتر بالقول: "إن موقف سارتر المتصلب في تأييد إسرائيل، إنه على شيء من الجُبن، يخاف أن يتهمه أصدقاؤه في باريس بالعداء لليهود إن قال أي شيء في تأييد الحقوق الفلسطينية". ينتقل سعيد من هذا المدخل الشخصي جداً مع جينيه إلى آخر عملين للكاتب الفرنسي وهما "الستائر" الملتزمة بتأييد الثورة الجزائرية، وكتاب "الأسير العاشق" الذي يعبر فيه عن دعمه المقاومة الفلسطينية منذ أواخر الستينيات وحتى وفاته في العام 1986. حيث يرى سعيد أن أعمال جينيه الأخيرة مشبعة بصور الموت خصوصاً في "الأسير العاشق" ويعود بعض الحزن الذي يشعر به القارئ لمعرفة أن جينيه كان يحتضر وهو يؤلف الكتاب وأن عدداً من الفلسطينيين الذين التقاهم وعرفهم وكتب عنهم سوف يموتون هم أيضاً.


جان جينيه