حديثي في هذا المقال لن يكون عن قيمة أو حجم عجز الميزانية هذا العام الذي قدرته الدولة بمبلغ 145 مليار ريال في حين توقعه اقتصاديون محليون وخارجيون أن يتراوح ما بين 250 – 478 مليار ريال (67 – 130 مليار دولار) بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية، بقدر ما هو عن السبل الكفيلة لمعالجة هذا العجز، بغية التقليل منه إن لم يكن القضاء عليه بإذن الله خلال الأعوام القادمة، لاسيما وأنه من وجهة نظري أن المالية العامة للدولة يكتنفها الكثير من الهدر المالي وسوء الإنفاق، وما يؤكد على ذلك ما تضمنته الميزانية العامة للدولة للعام المالي الجاري 1436/1437 (2015) من نفقات جارية خاصة بالرواتب والأجور والبدلات وما في حكمها والتي قدرت بقرابة 50 في المئة من النفقات المعتمدة بالميزانية.

ومن بين الأمثلة على الهدر المالي أيضاً في الميزانية، ما تخصصه الدولة في كل عام من مبالغ طائلة للإنفاق على تنفيذ المشروعات، التي وللأسف الشديد إما أن ينتهي بعضها بالتعثر أو التأخر في التنفيذ، أو أن تنفذ بشكل سيئ للغاية جودة ونوعاً.

التغلب على عجز الميزانية العامة للدولة، يتطلب بداية التفكير بإعداد الميزانية بشكل مختلف عما تعودنا عليه في السابق وكما يقولون بالتفكير خارج الصندوق Thinking Out of the Box، وبتحديد أكثر بعيداً عن أسلوب الأبواب الذي يركز على الإنفاق بشكل أكثر من التركيز على مدى انتاجية وجدوى هذا الانفاق، هذا بالإضافة إلى ضرورة وضع مؤشرات أداء KPIs تقيس فعالية وجدوى كل إنفاق.

أيضاً إن التغلب على عجز الميزانية، يتطلب إعادة النظر في أسلوب إعداد الميزانية بحيث يتحقق عن ذلك تعزيز جانب الإيرادات والتقليل من الإنفاق غير المنتج اقتصادياً الذي لا يعود بقيمة مضافة Value added على الاقتصاد الوطني.

إن تعزيز جانب الإيرادات بالميزانية وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط كمصدر رئيس للدخل والذي يمثل نحو 89 في المئة من الإيرادات الفعلية المتحققة بالميزانية (عام 2014)، يتطلب إحكام السيطرة على النفقات الحكومية الجارية، مثل الرواتب والأجور والبدلات وما في حكمها، كونها تضغط بشكل كبير على الميزانية، لاسيما وأنها في تزايد مستمر عاما عن آخر، ما يتطلب مراجعة بنود تلك النفقات ومحاولة تقنينها بغية تخفيضها. ومن بين وسائل التخفيض على سبيل المثال لا الحصر، التشديد على ربط الزيادة في الرواتب ومنح الحوافز والعلاوات السنوية بالأداء الوظيفي، وتقنين الانتدابات ورحلات العمل سواء بالداخل أو بالخارج، هذا بالإضافة إلى ضرورة استخدام تقنيات اتصالات العصر في عقد الاجتماعات عن بعد باستخدام مثلاً تقنية الفيديو Videoconferencing.

والأمر يتطلب أيضاً الالتزام الحرفي بتطبيق نظام التعاقد على موظفي الدولة سواء المبكر أو عند بلوغ سن التقاعد النظامية وعدم التمديد أو التجديد لهم بحجة الحاجة إلى خدماتهم أو حتى التعاقد معهم بعقود خارجية، إضافة إلى ضرورة الحد من توظيف عمالة جديدة بالقطاع العام. والحاجة لربما أيضاً ملحة لإعادة النظر في الوظائف العليا والمراتب الممتازة وعدم منحها لأي موظف أو أي منصب دون التدقيق في الحاجة لذلك، وربطها بالإنتاجية والكفاءة الإدارية والفنية. كما أن الرفع من انتاجية الموظف الحكومي التي هي متدنية في الأساس، إضافة إلى تفعيل استخدامات الحكومة الإلكترونية، سيكون له مردوده الإيجابي على المالية العامة للدولة.

تعزيز جانب الإيرادات في الميزانية، يتطلب أيضاً تقنين الصرف على المشروعات والعقود وربط ذلك وكما أشرت بالإنتاجية والعوائد الاقتصادية للمشروع، ولربما الان الحاجة أصبحت ملحة لإنشاء ما يعرف بمكتب إدارة تنفيذ المشروعات على مستوى الدولة Project Management Office – PMO، بحيث تصبح من بين مهامه وأهدافه توحيد مواصفات المشروعات ومتابعة تنفيذها وتطبيق ما يعرف بكود البناء.

كما أن الأمر لربما يتطلب إشراك المواطنين في تمويل المشروعات العامة، من خلال إصدار الحكومة لما يعرف في أسواق الدين العالمية ب Convertible Bonds، والذي بدوره سيخفف الضغط المالي على الميزانية من جهة وسيخلق فرصة وقناة استثمارية سيادية جيدة للمواطنين خالية من المخاطر من جهة أخرى (Sovereign Risk Investment Instrument).

تحسين جانب الايرادات لربما يتطلب كذلك إعادة النظر في الدعم الحكومي لكافة السلع والخدمات، بحيث يتم تقنين هذا الدعم، بما يخدم الطبقات المحتاجة له فقط، باعتبار أن تقنين الدعم سيكون لها مردوده الكبير على الإنفاق الحكومي، وباعتباره أيضاً يمثل مصروفاً ضخماً يستفيد منه جميع أفراد المجتمع (المحتاج وغير المحتاج منهم)، حيث تشير المعلومات على سبيل لا الحصر، أن الدعم الحكومي المقدم للبنزين والديزل يصل إلى قرابة 115 مليار ريال سنوياً.

إن تحسين جانب الإيرادات، لربما يتطلب أيضاً تفعيل وتسريع وتيرة خصخصة المرافق والخدمات العامة، باعتبار أن التخصيص لن يعمل فقط على توفير السيولة للدولة، ولكنه سيحقق لها في نفس الوقت وفرا ماليا كبيرا نتيجة لتحويل المصاريف الباهظة التي يتم اعتمادها في كل عام مالي للصرف على تلك المرافق إلى القطاع الخاص، إضافة إلى أن تخصيص المرافق العامة يفترض أن يتحقق عنه تشغيل تلك المرافق بجودة ونوعية أفضل.

آخراً وليس أخيراً، إن التفكير الجاد في إنشاء صندوق استثماري سيادي للاستثمارات الدولية، بحيث تُجنب فيه نسبة ما من مداخيل النفط سنوياً للاستثمار في أصول وأدوات مالية متنوعة بالخارج، إضافة إلى تسريع عمليات تنويع قاعدة الاقتصاد الوطني بعيداً عن النفط، سيكون له مردوده الإيجابي على الاقتصاد الوطني والمالية العامة للدولة على حدٍ سواء.

أخلص القول، إن تبني تطبيق أساليب مبتكرة في إعداد الميزانية، سيسهم بشكل كبير وملحوظ في تجسير الهوة بين جانبي الإيرادات والمصروفات، بل في تضييقها للحد الذي يمكن أن ينتج عنه بإذن الله القضاء على عجز الميزانية بالكامل.