يقدم كتاب "مع عبدالوهاب" 2014 للناقد إلياس سحاب حالة من الهوس الموسيقي بشخصية فنية من نماذج مبدعي العرب في القرن العشرين. وهذا الكتاب جاء بعد سيل من المقالات والدراسات التي تملأ صحفاً ومجلات عربية منذ عام 1961 للناقد سحاب حيث يتخللها بعض الكتب بين حين وآخر منذ أول كتاب "دفاعاً عن الأغنية العربية" 1980، ومشاركة في بعض أجزاء الموسوعة الفلسطينية في المجلد الثالث منها في قسم عن "الفكر السياسي الفلسطيني بعد العام 1948"، وآخر بالاشتراك مع أخيه سليم سحاب عن "الموسيقى والغناء في فلسطين قبل العام 1948"، ثم المشاركة مع فيكتور سحاب في موسوعة "أم كلثوم" 2003 فوضع فيها مجلداً كاملاً عن سيرتها، وأعد أيضاً موسوعة "محمد عبدالوهاب" -الناجزة عام 2006 –لم تصدر حتى الآن-، وآخرها كتاب "الموسيقى العربية في القرن العشرين" 2009.

يستعرض في هذا الكتاب بداية التلقي للناقد سحاب أعمال عبدالوهاب ومن ثم اللقاء به "أول مرة 1958" ومناقشته والاستماع إلى أدائه وشرحه المباشرين لأعماله. ويبرز في هذا الكتاب مقالات تخصص لأعماله المميزة، مثل قصيدة "لا تكذبي"، وقصيدة "الكرنك"، وأغنية "إنت عمري"، والغناء السياسي في هزيمة 1967، وتركيزه على الحناجر الكبيرة في منتصف القرن العشرين: عبدالحليم حافظ ووردة ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد، وعلاقته بالموسيقى الأوروبية، وعمالقة التجويد والإنشاد الديني.

بغض النظر عن تحويل عبدالوهاب إلى مسطرة قياس وكسر للغناء العربي عند الناقد سحاب، والموقف السلبي –غير المبرر- بسوى مناكدة الجيل بينه وبين وردة سراً وعلناً، في مقابل رفعه من شأن صوتين أقل منها في الإمكانيات والخبرة والتجربة مثل نجاة الصغيرة وفايزة أحمد، والتغاضي المباشر عن قائمة طويلة من التعريب الموسيقي –إذا تجنبنا الاقتباس والسرقة وسوء التوظيف الفني- للموسيقى الأوروبية والآسيوية، وخسرانه إلى صوته الكبير ما أدى إلى توقفه عن حفلات المسرح اتقاء للنشاز منذ العام 1939، والصمت عن التجرؤ في نسبة ألحان الآخرين إليه إما على شكل مقدمات موسيقية وإما على شكل ألحان لمقاطع في الأغاني أو القصائد.

وعلى أنه يرصد في إحدى مقالات الكتاب الواردة بعنوان "عندما حضر محمد عبدالوهاب في فيينا تدريباً أوركسترالياً لهربرت فون كارايان" أي: أحد أبرز قادة الفرق الموسيقية الكبيرة في النمسا.

فإنه في هذه المقالة يكشف عن رغبة عبدالوهاب حضور ذلك التدريب ما جعله ينسب إلى أخيه سليم سحاب التأثر به في قيادة الفرق الموسيقية، ويعلق سحاب ناقدنا بقوله: "لمست مدى التواضع الكبير لهذا الموسيقار الكبير، أمام تراث الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، التي كان يتصرف إزاءها كأي هاو من هواة هذه الموسيقى وعشاقها. لكن الهاوي عندما يكون بالعبقرية الموسيقية لمحمد عبدالوهاب، يصبح قادراً على أن يجني من ثمار الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، ما لا يقدر عليه أي هاو آخر" -سحاب، 2014، ص: 155-156-.

ويلفت هنا أن حرمان عبدالوهاب من جائزة اليونسكو 1977 ومنحها إلى رياض السنباطي بسبب التقرير الموسيقي الذي رصد قائمة طويلة لاقتباسات تجاوزت الحد النظامي في عالم الموسيقى والألحان.

وقد تناقلتها في حينها الصحف والمجلات مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، على أن فترة الثمانينيات غطتها تجربة عمل السيدة وردة في ألحان طويلة ابتدأت منذ لحن "في يوم وليلة" 1978 الذي أضافت له وردة موالاً وردمت تحويل المقاطع إلى المرجع الخالية بتقنية أداء الفادو أو الآهات الأندلسية، ولحن "أنده عليك" 1982، ولحن "بعمري كله حبيتك" 1986 ثم لم يكسر الصمت بعدها سوى إصدار التسجيل القديم منذ عام 1975 لأغنية "من غير ليه" بعد تركيب صوت آلات والإيقاع عام 1989 وظهر لحن "أسألك الرحيلا" 1990 بصوت نجاة الذي قيل بأن للملحن محمد الموجي لحناً آخر لم يظهر بكامله وإنما ظهرت أجزاء منه في اللحن المنسوب إلى محمد عبدالوهاب، وهو ما فسر إرضاء الموجي عندما أعطي فرصة إكمال لحن" في عينيك عنواني" لسمية قيصر الذي لم يكمله عبدالوهاب لوفاته.

ويمكن التمثيل عن تلك القائمة في تقرير اقتباسات عبدالوهاب من الموسيقى الأوروبية أو الآسيوية بألحان كاملة وضعت عليها نصوص القصائد والأغاني الجميلة في أفلامه في الثلاثينيات: "جفنه علم الغزل، سهرت منه الليالي، وعندما يأتي المساء، ويا مسافر وحدك، ويا دنيا يا غرامي.." غير أن هذا التقرير لم تضف إليه قائمة 52 لحناً من الملحن رؤوف ذهني –عمل سكرتيراً ومستشاراً فنياً لعبدالوهاب منذ الأربعينيات من القرن العشرين- منها أغاني فيلم "عنبر" وفيلم "غزل البنات" وأغنية" فكروني" بالإضافة إلى مساهمة ضمنية من ألحان فريد الأطرش ومنير مراد وبليغ حمدي وجلال حرب وكارم محمود.

كيف يمكن فرز هذا التراث الوهابي لجلاء سموم الاقتباس والسرقة والتوظيف الخاطئ. إنه تراث مسموم. تراث من بين نتائجه الهوس. هوس يدوم!.