صدور قرار مجلس الوزراء الأسبوع الفائت بفرض رسوم على الأراضي البيضاء جاء لينهي جدلاً واسعاً في المجتمع السعودي، ويضيف عاملاً مهماً في إعادة هيكلة القطاع العقاري، وخصوصاً السكني. فالقطاع العقاري مر بإعادة هيكلة قوية منذ 2008 بدأ بإنشاء هيئة الإسكان، ومروراً بتحويلها إلى وزارة إسكان في 2011 وضخ 250 مليار ريال لبناء 500 ألف وحدة سكنية، وتسليمه ملايين الأمتار من الأراضي، مع تسليمها ملف صندوق التنمية العقارية الذي مر هو الآخر بإعادة هيكلة قوية، كما صدرت أنظمة الرهن العقارية ولوائحها التنفيذية، لنصل الى، ما اعتبره الكثير العامل الأهم في توفير الإسكان، وهو قرار فرض رسوم سنوية على الأراضي البيضاء بمقدار 2.5%. وهو أيضاً ما اعتبره الكثير آخر الحلول في السوق العقارية لتبدأ الانتقال من مرحلة الهيكلة إلى مرحلة جديدة هي مرحلة التطوير والبناء وزيادة تملك المواطنيين للمساكن.

وأقول إن فرض رسوم الأراضي يأتي ضمن سلسلة ضخمة لمأسسة القطاع العقاري بشكل عام حيث إن هذه الأنظمة والتحولات الكبيرة في القطاع تحتاج الى مؤسسات مساندة الى جانب وزارة الإسكان، ومنها أمانة عامة لتنفيذ اللوائح التنفيذية لرسوم الأراضي، فالرسوم كما جاءت في نص مجلس الوزراء هي للتحفيز وتنشيط قطاع الإسكان وليس للجباية، ما يعني أن هناك خدمات كثيرة ستقدمها الحكومة لأصحاب الأراضي البيضاء تجنباً لأي ذرائع في عدم التطوير والبناء، ويحتاج لمثل هذه الخدمات متابعة حثيية وصارمة وسريعة، خصوصاً في إصدار التراخيص والفسوحات وإيصال الكهرباء والمياه والصرف الصحي،وهي العوائق التي كانت خلف تردد الكثير في التطوير لصعوبة الحصول على هذه الخدمات ماجعل تأخرها أهم الأسباب لارتفاع أسعار الأراضي. فالمستثمر عندما يضخ 100 مليون ريال في أرض ما فإنه يحتاج الى نحو خمسة سنوات حتى يتم الاستفادة منها في البناء ومن ثم التأجير أو البيع، وهذا يرفع تكاليف الاستثمار وبالتالي ترتفع الإيجارات أو أسعار البيع على المستهلك النهائي، وإذا استطاعت الرسوم حل هذه المعضلات، فإن وجودها خدم في الأساس مايريده هذا القطاع وتحقق ماينادي به العقاريون في كل محفل بأن تلك المعوقات هي أسباب تأخر التطوير والبناء وبالتالي زيادة الفجوة بين العرض والطلب، من هنا فإن وجود الرسوم أصبح تحفيزياً ومنشطاً للسوق مايجعل تطبيقها غاية في الأهمية.

والأهمية الأخرى لهذه الرسوم والتي كتب عنها الكثيرون هي تأثيرها على أسعار الأراضي، فمعظم الكتاب أشار الى أنها ستؤدي الى خفض الأراضي بصورة كبيرة وصل الحد ببعضهم في القول أنها ستؤدي الى انخفاض الأسعار بنحو 75%، وبدلاً من التركيز على الآثار المحتملة لهذه الرسوم وتمكين المواطنيين من التملك وهو الهدف الأسمى للحكومة، فإن البعض ركز على أن الأسعار هي أكبر عوائق التملك، وهذا فيه اختزال كبير لمشكلة الإسكان التي عملت الدولة الشيء الكثير من أجلها، فالرسوم جاءت ضمن سلسلة طويلة من الهيكلة تحدثت عنها في بداية هذا المقال من أجل توفير السكن الكريم للمواطن، وأصبحت زيادة تملك المواطنيين مرهونة بقدرة السلطات التنفيذية في تطبيق أنظمة الرهن العقارية، وتوقيع عقود فعلية لوزارة الإسكان لبناء آلاف الوحدات السكنية، وتحفيز القطاع الخاص عن طريق الرسوم، وتظل مسألة ارتفاع أو انخفاض أسعار الأراضي مرهونة أيضاً بقوى السوق، إذ إن الحكومة لم تشر إلى أن الهدف من الرسوم هو تخفيض أسعار الأراضي بل تطويرها، ولم تتحدث كثيرا من ورقات العمل في البنك الدولي أو الأمم المتحدة عن رسوم الأراضي أنها تخفض أو ترفع الأسعار، فمعظم الأبحاث تتحدث عن أنها تساهم في تحفيز التطوير لأنها تعمل على إزالة العوائق البيروقراطية مايجعل الأراضي جاذبة استثمارياً ومن ثم تشجع وتسرع عملية التطوير، وهو مايصبو إليه قرارا مجلس الوزراء الموقر ويصبوا إليه الجميع.