مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية تمثل أو يفترض أن تمثل الامتياز في مجال البحث العلمي والتقني، فقد أنشئت بطموحات كبيرة ودعمت بشكل كبير منذ بداية إنشائها. يكفي الإشارة إلى أن علماء وباحثي المدينة تم تميزهم ببدل إضافي وتفريغهم للبحث العلمي الذي وفرت له سبل النجاح من معامل وإمكانات، بشكل يفوق ما وفر ويوفر بالجامعات.

رغم كل ذلك هناك سؤال يتكرر حول إنتاجية أولئك الباحثين أو العلماء؟ لا أتحدث عن الأفراد وبالتالي لا أعمم على الأفراد بل أطرح مجمل الصورة، فحتماً هناك المتميز وهناك غير المتميز وهناك صاحب القدرات المتميزة وهناك صاحب القدرات المتواضعة. عندما اسمع الجدل من منسوبي المدينة حول موضوع الدوام وهل يجب ان يوقع الجميع في دفتر التحضير أم لا في هذه المؤسسة الكبيرة، في اسمها، أضع للأمر احتمالين، إما أن المؤسسة تدار بطريقة بيروقراطية لا تقدر كونها تتعامل مع علماء وباحثين كبار، وإما أن أولئك الباحثين يرون أنفسهم مجرد موظفين اكبر همهم هو الدوام الذي يحرص الموظف دائماً على تجاوز الالتزام به وكسر قواعده كلما سنحت الفرصة بذلك.

أعتقد بأن هناك خطأ إستراتيجياً منذ البداية في عملية التوظيف بهذه المدينة البحثية، فالخطأ الحاصل هو توظيف أناس ليصبحوا باحثين، بينما يفترض أن يتم استقطاب الباحثين المتميزين للعمل في المدينة. المفترض أن تتحول المدينة البحثية إلى مركز استقطاب للعلماء الباحثين المتميزين في البلد كمركز إمتياز بحثي، والمفترض أن لا يتم استقطاب شخص كباحث ما لم يثبت سجله المهني تميزاً واضحاً في البحث. المفترض أن يعمل باحثون بهذه المؤسسة وفق عقود تسمح بعودتهم إلى جامعاتهم ومؤسساتهم الأساسية في حال تقاعسهم عن القيام بالعمل البحثي، لتبقى على التميز. ما يحدث حالياً هو توظيف أناس حديثي التخرج، بعضهم يأتي ربما على كف الواسطة، وابتعاثهم للحصول على مؤهلات عليا، لكنهم بعد عودتهم لم يروا أنفسهم أكثر من مجرد موظفين، والموظف (الروتيني) أكبر همه الحصول على العلاوة السنوية والالتزام بمعايير الدوام والحضور والانصراف!

الخطأ الإستراتيجي الثاني يكمن في عدم وضوح الرؤية؛ هل يتم إجراء البحث العلمي بالمدينة البحثية أم يتم دعم إجرائه خارجها؟ هل المدينة تمثل مؤسسة داعمة للبحوث أم مؤسسة تجري البحوث؟ مدينة الملك عبدالعزيز تقوم بإنشاء المعاهد وإجراء البحوث داخلها، وبعض أو جل تلك البحوث أو المعاهد يمكن قيامها وإنشاؤها بالجامعات ومؤسسات البحث الأخرى التي يفترض أن تدعمها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. لكم مقارنة نسبة ما خصص لدعم البحث خارج المدينة من الميزانية السنوية للمدينة لنرى نسبة الدعم للبحث العلمي إلى نسبة المصروفات الإدارية التي شكلها بروز جهاز بيروقراطي متضخم.