• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 3067 أيام , في الخميس 22 شوال 1426هـ
الخميس 22 شوال 1426هـ - 24 نوفمبر 2005م - العدد 13667

الإصلاح الإداري ودوره في التنمية

د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الحسن

    إن المقصود بالإصلاح الإداري هو إعادة التفكير في تغيير منهجية وأسلوب الإدارة العامة والتي تتمثل في أجهزة الدولة. وهذه العملية هي في الحقيقة مطلب كثير من الدول سواء المتقدمة أو النامية نظراً لأنها تمثل إعادة دور الدولة في تقديم خدماتها للمواطنين، ومن الأمثلة على عملية الإصلاح ما قامت به نيوزيلندا، وسميت طريقتها «قص الأطراف»، وكذلك ما قامت به أمريكا في عهد الرئيس كلينتون وتبناها نائب الرئيس آنذاك آل جور وسميت «إعادة ابتكار الحكومة» وتختلف الأساليب والهدف واحد وهو تقليص دور الحكومة وقيام القطاع الخاص بدور أكثر وأكبر.

إن عملية الإصلاح الإداري هي نقلة نوعية في تقديم الخدمات مع تقليص التكاليف وتحويل إدارة الخدمات من أسلوب البيروقراطية إلى الأسلوب التجاري أو الاقتصادي سواء عن طريق التخصيص أو عن طريق التشغيل الذاتي لخدماتها بإيجاد أساليب أكثر مرونة والبعد عن البيروقراطية.

إن المتغيرات والتحولات التي يعيشها العالم يحتم على الدولة إعادة النظر في سياستها وإصلاحاتها حتى يمكن معايشة الواقع، فالدول كلها تعيش وكأنها سلسلة مترابطة أو كأنها مناطق في دولة واحدة وهذا بسبب الثورة في الاتصالات والمعلومات. وبسبب تدفق المعلومات ووسائل الاتصالات المتعددة بدأ الناس ينظرون إلى حقوقهم على دولهم، وما هي الخدمات التي يجب أن يحصلوا عليها وما هي الطريقة المثلى التي على الدولة اتباعها لتقديمها. وفي ظل الركود الإداري وعدم القيام بإصلاحات مع مطالبة الأفراد بالحصول على خدمات مناسبة أدى ذلك إلى اهتزاز الثقة لدى الناس في أداء المؤسسات الحكومية، مما جعل هناك قلاقل ومشاكل تعيشها هذه الدول.

وعندما ينادى بالإصلاح الإداري فليس معنى هذا وجود فساد «وهو موجود» وإنما إصلاح من أجل مواكبة المستجدات التي يعيشها هذا الكون. لا شك أن أغلب الدول النامية إن لم يكن جميعها لديها فساد إداري ومستشر ويتمثل في الاختلاس المادي إلى تعطيل مصالح الناس والبطء في تقديم الخدمات وتدني مستوى الإنتاجية بحيث تتعطل الطاقات (العاملين) وتسود روح السكينة واللامبالاة. كما أن الهدف من الإصلاح ليس التحول إلى القطاع الخاص وإنما الهدف هو التخلص مما يجب على الدولة أن تتخلص منه بشرط ألا يؤثر على أهدافها التنموية والاستراتيجية، وأن يكون أكثر فعالية وأقل تكلفة، وهذا نهج أكثر الدول المتقدمة في الإصلاح الإداري. كما أن هدفه أيضاً زيادة السرعة في عملية التنمية، وكذا فإن عملية الإصلاح تحتاج إلى هدف وإلى جهد يشارك فيه الجميع بقيادة الدولة، وأن تكون هذه العملية شاملة للقطاعين العام والخاص.

وكما ذكر أن هناك أكثر من أسلوب في عملية الإصلاح الإداري، فإن من أكثر الأساليب اتباعاً هو التخصيص وتحويل نشاطات تقوم بها الدولة إلى القطاع الخاص، وهذا الأسلوب يعتبر جيداً إلا أنه يحمل بعض السلبيات، أهمها أنه سيترك أثراً في زيادة عدد الموظفين الذين يخرجون من العمل بسبب التخصص مما يزيد في عدد الباحثين عن فرص عمل، خاصة من هم في المستويات الإدارية التنفيذية. كذلك قيام بعض الدول بالتسارع في عملية التخصيص مما جعلها تقوم بتخصيص نشاطات ليس لها أولية وترك بعض الخدمات التي لو تم تخصيصها لما أثر على خدمات الدولة لمواطنيها. وعندما تقوم الدولة بالتخصيص فإن ذلك يعني أن يكون هناك تحول في خدمات الدولة وأن تصغر ويكبر القطاع الخاص والإصلاح الإداري هو ما تحتاج إليه أغلب الدول حيث إن الإدارة هي الأساس في الارتقاء بمستوى الدول، فكلما حسنت الإدارة كان هناك تقدم وارتقاء، ولذا كانت المناداة بالإصلاح الإداري أولاً، فإذا صلحت الإدارة فإنه بلا شك ستتأثر الجوانب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لقد استشرى الروتين في أعمال الأجهزة الحكومية مما أدى إلى انتشار الفساد وتعطل مصالح الناس. وهذا يحتاج إلى إعادة النظر في العملية الإصلاحية، فليس المهم التحول إلى استخدام الحكومة الإلكترونية على الوضع القائم وإنما المهم هو تحسين الخدمة في تسهيل الإجراءات وإعادة كتابة الأنظمة ومتى ما كانت ميسرة فيمكن استخدام «الحكومة الإلكترونية». إذ إن المشكلة الرئيسية تكمن في استراتيجية الإصلاح.

وكما هو معروف أن هناك علاقة بين الإدارة والسياسة ولذا فإن عملية الإصلاح الإداري المطلوبة لا بد أن تنسجم مع نظام الحكم الأساسي، لأن الحكومة هي التي تقوم بإدارة مرافقها. ولذا فإنه جدير أن تكون الدراسات المعدة أو المطلوب القيام بها تنظر في جدوى تحويل أو نقل بعض السلطات والصلاحيات من المراكز الرئيسية إلى المناطق، وهذا يمكن أن يطبق في المملكة.

ويشترط أن تكون استراتيجيات الإصلاح الإداري أن تقوم به إدارة نشطة، والعاملون فيها يعملون من أجل الإصلاح ولديهم القدرة على الإدارة الحديثة والمرنة حتى يمكن أن يراقبوا عملية الإصلاح الإداري. وهذا يمكن من إنشاء هيئة خاصة للإصلاح الإداري هدفها الارتقاء بمستوى الإدارة العامة، كما يكون من أهدافها وضع الآلية المناسبة للأجهزة الحكومية التي تقدم خدمات للمواطنين من أجل التنسيق بين تلك الأجهزة وعلى أعلى المستويات.

وعندما يكون الحديث عن الإصلاح الإداري فإنه من الضروري الحديث عن إدارة الميزانية وكيف يمكن جعلها أداة الإصلاح من خلال حسن إدارتها وليس من خلال موازنتها فقط عن طريق تقليل النفقات، وإنما باستثمارها حسب الأولويات.

والمملكة حباها الله بنعم كثيرة وحكومة رشيدة جعلت منها دولة عصرية، وإذا ما نظرنا إلى مساحتها وكثرة مشاريعها فإن ذلك بلا شك سيضع كاهلاً على نفقاتها إلا أن من الأهمية أن تربط المشاريع بأهميتها وتوزيعها في أرجاء الوطن حسب الحاجة للمشروع عن طريق دراسة التحليل المالي للنفقات والعائد منها.

إن من النتائج الإيجابية للإصلاح الإداري تمويل بعض المشاريع كجذب للقطاع الخاص، وذلك بغية هدف زيادة الكفاءة الإنتاجية ومرونة التعبير في أساليب العمل وحُسن اختيار الكفاءات البشرية حتى تقدم خدمة متميزة تعود على الوطن والمواطن بالنفع العام بتكلفة أقل ونتائج أعلى، وبالتالي توفر الدولة من نفقاتها مما يساعدها على الصرف على البنية الأساسية وعلى المشاريع المهمة.

ولإيضاح الكيفية التي ينبغي عليها التحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص، فمن الضروري الإشارة إلى أن التوسع في التحول السريع له من المخاطر ماله، وربما ينعكس سلباً على الوضع السياسي عموماً للدول. فلا يجب أن ينظر إلى مستوى الخدمة فقط وإنما ينظر إلى جميع الجوانب وكيف يمكن لمواطن الحصول على حقوقه المكفولة له، مع الأخذ في الاعتبار أن حصول المواطن على خدمة مقابل قيمة يعني أن له الحق والمطالبة بتحقيق أعلى مستويات الأداء وأن تضمن الدولة هذا المستوى للمواطن. كما أن التحول إلى القطاع الخاص من الضروري وأن تحيطه الدولة برعاية ليس من أجل الحقوق المادية أو حسن الأداء وإنما الحفاظ على القيم الدينية والاجتماعية باعتبارها ثوابت ويجب أن تكون لها الأولوية. إن التحول إلى القطاع الخاص أسلوب من أساليب الإصلاح الإداري ولكن ليس بالضرورة أن ينجح هذا الأسلوب دائماً وإنما يمكن للقطاع العام أن يعمل بأسلوب الربحية ويقدم خدماته كمنافس وتحت مظلة الدولة ورقابتها المرنة، وهذا يساعد على تحقيق وفر في الميزانية العامة وهذا ما قامت به المملكة في بعض خدماتها كالتشغيل الذاتي لبعض المرافق وإن كانت تجربة جديدة إلا أنها جديدة يجب أن تراقب وتحاط برعاية حتى تتلافى العيوب، وأن تكون هناك نية صادقة وصالحة وأن تعرض الدولة كيفية التعامل مع السوق ومنافسته وهذا ما قامت به أمريكا في بعض إصلاحاتها.

وكما ذكر أن من أهداف الإصلاح الإداري هو التحول من البيروقراطية (الروتين) وتنمية الثقة لدى المواطنين فمتى تولدت هذه الثقة فإنهم سيكونون خير داعم للدولة نتيجة رضاهم. ولذا فإن الإصلاح ليس مسؤولية الدولة وحدها وإنما هي مسؤولية جماعية يشارك فيها المواطن (الموظف) فهو المعني بالتنفيذ لما تقوم به الدولة من خطط ومتابعة، فالأجهزة الحكومية لم توجد إلا لخدمة الناس وبهذا فإن المفترض أن يكون هناك سباق لتقديم الخدمة المتميزة والتي هي مطلب الجميع. وعندما تضع الدولة خطتها فإن الموظف هو المعني بالتنفيذ وعليه عبء كبير وهو أحد محاور الإصلاح.

وكما قيل إن الهدف هو تقديم الخدمة المناسبة للمواطن فهنا يبرز سؤال مَنْ مِن الجهات الحكومية قام بوضع استبيان لقياس مدى رضى المواطن عن خدماتها المقدمة؟. ولعل أقرب مثال ما قامت به دولة جنوب افريقيا حيث وضعت برنامج (الشعب أولاً) ومن ثم وضع معايير يمكن قياسها. فأي دولة في العالم فإن مسؤولياتها هي تقديم الرعاية الصحية وتعليم الشعب والمحافظة عليه أمنياً والبحث في مجالات الرفاهية له.

ولنأخذ مثالاً على مدى رضى المواطن في المملكة، فكان حديث الناس هو ارتفاع مستوى الخدمة عند الحصول على جواز «في وقت مضى» فكان الحصول عليه في زمن قياسي وكذلك ما يتحدث عنه الناس الآن في كتابات العدل حيث يتم الحصول على الوكالة في دقائق بدلاً من ساعات أو أيام. إذاً يمكن القول إنه عندما يبدأ الإصلاح سيولي الفساد ولن نحتاج إلى شفاعة أو واسطة.

إن الإصلاح الإداري الذي تقوم به المملكة ليس بجديد فقد رأت هذه الحكومة وفقها الله بإجراء الإصلاحات الإدارية على مر الزمن فمنذ توحيدها على يد المغفور له إن شاء الله الملك عبدالعزيز وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين، مرت على فترات إصلاحية حيث تكوين الأجهزة الحكومية ومن ثم التوسع حسب ما تقتضيه المصلحة والتطور، ومن ثم وآخر نتائج الإصلاح هو دمج بعض الوزارات وإنشاء وزارات جديدة وإن كانت هناك بعض الملاحظات لأن الهدف من الإصلاح هو الارتقاء بالخدمة وتقديم ما ينشده المواطن إلا أن ذلك الدمج أو الإحداث لم يغير شيئاً إلا أن المأمول كبير إن شاء الله والعملية الإصلاحية المتعلقة بالإدارة لها من الأهمية لا سميا في هذا الزمن حيث هناك تحرك قوي وعلى جميع الأصعدة بتطبيق الحكومة الإلكترونية وهذا يحتاج إلى إعادة تنظيم لكثير من الأجهزة الحكومية سواء هياكلها أو أنظمتها أو إجراءاتها والعمل على تذليل جميع الصعاب وتيسير الأمور وأن تكون الخدمة المقدمة متميزة يدوياً قبل تحويلها آلياً.

كما سبق فإن الخدمة الجيدة، وتقليل النفقات عن الدولة وذلك مثل بنك التسليف وصندوق التنمية العقارية والمؤسسات العامة للسكة الحديد، فهذه على سبيل المثال تكلف الدولة مليارات ويمكن لها أن تحقق نفس الهدف بدون أن تضاف تكلفة على الدولة. لذا فإن الدعم السياسي سيتضمن النجاح للحركة الإصلاحية وعلى جميع المستويات.

ولكي لا يفسر معنى الإصلاح ومفهومه تفسيرات هوائية، فإن عملية الإصلاح لا تنتهي أبداً وإنما هي حركة دائمة متجددة.

إن من أهم عناصر الإصلاح هو قياس النتيجة وتقييمها وهذا يحتاج لعملية الإصلاح تضع المعايير وتقيس مدى النجاح وتصحيح الانحرافات متى ما وجدت.

وعموماً تعتبر العملية الإصلاحية تحدياً للدول النامية، فهي أداة لزيادة سرعة عملية التنمية كما تعتبر شاملة لأغلب الدول، كما أنها عملية مستمرة ولا يوجد دولة بدأت في العملية الإصلاحية ومن ثم تراجعت.

إن دولة مثل المملكة العربية السعودية لا يمكن تطبيق النماذج الإصلاحية التي طبقت في العالم مثل أمريكا أو بريطانيا بها نظراً لانفراد المملكة ببعض الخصوصيات والصفات والقيم التي تتميز بها، وإنما يحتاج الأمر إلى إعادة برنامج خاص للإصلاح الإداري يتوافق مع أحوال المجتمع عامة وأن تكون هذه العملية مدروسة دراسة جيدة مأخوذاً في الاعتبار كل المتغيرات والمؤثرات وأن يكون التفكير استراتيجياً عند الإصلاح.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode



نقترح لك المواضيع التالية