لم تطوِ قمة الدول العربية وأميركا الجنوبية (قمة الرياض) برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أوراقها، حتى اتجه حفظه الله الى قمة العشرين التي ستعقد في تركيا خلال هذا الأسبوع. ورغم أن أهداف القمتين في أصلهما اقتصادية واستثمارية إلا أن أحداث المنطقة سيطرت على أجندة قمة الرياض في دلالة واضحة على رغبة الحكومة السعودية في معالجة قضايا المنطقة السياسية أولاً لرصف الطريق لمزيد من الاستقرار والسلام وتهيئة بيئة الاستثمار والأعمال. فقد ركزت قمة الرياض على قضايا المنطقة بدءا من القضية الفلسطينية ومروراً بسورية والعراق واليمن، مع تأييد كامل لمواقف المملكة تجاه تلك القضايا، ووصولاً لإدانة صارخة للتدخلات الإيرانية في المنطقة.

ويبدو أن نفس تلك القضايا ستناقش في قمة العشرين، حيث وضعت تركيا القضية السورية وتبعاتها (اللاجئين والجماعات الإرهابية) على أولوياتها مطالبة بإقامة منطقة آمنة، وتدعمها المملكة والولايات المتحدة في ذلك. وسيكون للمملكة اليد الطولى في مناقشة تلك القضايا خصوصاً وأنها الدولة العربية والاسلامية الوحيدة في هذا التجمع الضخم والتي سيعتمد على رؤيتها كثيراً في تبني حلول تلك القضايا بعد أن أثبتت نتائج تلك الأحداث مدى صحة رؤية المملكة وصواب حلولها التي قدمتها وأعلنتها مرارا في عدة مناسبات. فالمجتمع الدولي أصبح أكثر تأييداً لموقف المملكة تجاه ضرورة تنحية الأسد كشرط أساسي ليحكم الشعب السوري نفسه ويقرر حكومته التي يرتضيها. ويدعم المجتمع الدولي موقف السعودية في اليمن بقرار رسمي من هيئة الأمم المتحدة في أكبر تحالف يشهده العالم بعد تحالف الولايات المتحدة ضد نظام صدام في غزوه للكويت. وهناك إدانة دولية تتزايد تجاه ممارسات إيران وتدخلها الدائم في المنطقة، مع تعاطف متزايد أيضاً مع قضايا الشعب الفلسطيني وضد الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة بشكل يومي تجاه الفلسطنيين العزل.

وقد أتاحت قمة الرياض للمملكة تهيئة الأرضية للوصول الى اجماع عالمي لقبول وجهة نظرها في معالجة كل قضايا المنطقة في قمة العشرين الحالية مايعكس الحنكة السياسية التي اتبعتها المملكة في توحيد صفوف دول العشرين مع دول العالم الناشئ في الشرق الأوسط وأميركا الجنوبية في دلالة كبيرة على نجاح الدبلوماسية السعودية. وسيلقي العمل الإرهابي والإجرامي الذي حدث في باريس بظلاله على اجتماع قمة العشرين مايجعله أهم المؤتمرات السانحة والتي يجب أن تتخذ رؤية واحدة ومشتركة للقضاء على الإرهاب في المنطقة. ولن يتأتي ذلك الا بالقضاء على الجماعات الإرهابية مثل داعش والأحزاب الخارجة على القانون مثل حزب الله. واذا لم تتخذ قمة العشرين مواقف قوية تجاه الدول التي تغذي مثل تلك الجماعات الإرهابية مثل ايران التي تدعم أحزاب الشر والجماعات الإرهابية فإننا لن نصل الى حلول تقضي على الإرهاب. لقد قدمت المملكة منذ أكثر من عقد من الزمن حلولا عديدة وعملية للقضاء على الإرهاب ومنها نزع فتيل الفتنة الطائفية التي يبدو أن الولايات المتحدة انساقت اليها في العراق بإيعاز من إيران، خصوصاً بعد الإطاحة بصدام حسين. وحذرت من نشوء جماعات متطرفة لن تقل خطورة عن القاعدة في منطقتنا العربية بعد بدء مايسمى الربيع العربي والذي وجد تضامناً بريئاً أو متعمداً أيضاً من الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وعندما خرجت دول مايسمى الربيع العربي عن سيطرة مايسمى بالدول العظمى وبروز العديد من الجماعات الإرهابية مع زيادة أعمال الإرهاب والعنف بصورة لم يشهدها العالم من قبل حيث لم تمر أكثر من عشرة أيام على سقوط الطائرة الروسية ومقتل أكثر من 200 شخص حتى شهدت باريس "حرب شوارع إرهابية" أدت لمقتل أكثر من 150 شخصاً.

لذا لم يبقَ لدول العشرين التي تتحكم في اقتصاد العالم وفي التجارة الدولية وتتحكم سياسياً في كل قضاياه عن طريق الأمم المتحدة الا بالقضاء على الإرهاب، ولن يحدث هذا الا بتجفيف منابعه في منطقتنا أولاً، إذا أراد العالم أن يعيش مستقبله ومستقبل أجياله بأمن وسلام.