في 5 اكتوبر الماضي كتبت عن أهمية التقارير الخارجية التي تصدر عن المملكة، مثل تقارير التصنيف الائتماني من ستاندردز آند بورز وموديز وفيتش. وقلت ان أهميتها تأتي عندما تتيح للمستثمر الأجنبي "فرصة الاستثمار في المملكة فإنه يبدأ بمراجعة تلك التقارير عن المملكة للحصول على تصور عام عن مؤشرات النمو والتنمية والمعدلات الاخرى، ثم يركز على تقارير المخاطر التي تصدر من المؤسسات الدولية مثل شركات التقييم الائتماني والتي تعطي تقييمات عن المخاطر المالية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ويضاف الى ذلك مؤشرات التنافسية التي هي في النهاية تعطي تصورا عاما للمستثمر الأجنبي عن الشفافية والفساد والبيروقراطية ومحاذير الاستثمار في المملكة مقارنة بالدول الأخرى. ويضاف الى ذلك أن هذه التقارير تتيح المقارنات بين الدول ومخاطرها الاقتصادية والسياسية والتنموية، ما يجعل مقارنة البيئة الاستثمارية مع دول أخرى ذات فائدة للمستثمر الأجنبي. وفي حال ارتياحه لبيئة الاستثمار في المملكة، فإنه يتجه الى دراسة الفرصة الاستثمارية نفسها من حيث حجم رأس المال المستثمر، والعائد المتوقع، وسنوات الاستثمار. وفي نفس الوقت يدرس الأنظمة والتشريعات الخاصة بالاستثمار بمافيها النظام القضائي والضريبي وأي انظمة أخرى لها علاقة باستثماراته. كما يركز على الحوافز التي قد يجنيها من الاستثمار في المملكة مثل القروض الحكومية والأراضي الصناعية والزراعية الرخيصة وغيرها من المحفزات الأخرى."

وتلاحظون من أعلاه أن المستثمر الأجنبي يهتم كثيراً بكل الجوانب التشريعية والتنظيمة والسياسات الحكومية في الانفاق والصرف وتنشيط القطاعات الاقتصادية بتقديم الحوافز الكافية لجعلها أكثر تنافسية. ويهتم أيضاً بالوضع السياسي الإقليمي والمحلي ومدى تأثيره على ديمومة الحكومات واستقراراها حتى يمكنه من وضع المخاطر والتكاليف المحتملة لاستثماره المستقبلي. من هنا تأتي أهمية هذه التقارير للمستثمر الأجنبي حيث تزوده بموثوقية عالية في اتخاذ قراراته الاستثمارية. لذا لم يكن مستغرباً أن يكون رد وزارة المال السعودية قوياً وواضحاً على تقرير ستنادردز آند بورز والذي اعتمد على أسعار النفط والتوقع بوصول عجز الموازنة الحكومية الى 16% من إجمالي الناتج المحلي، ماجعله يخفض التصنيف الائتماني درجة واحدة مع نظرة مستقبلية سلبية. وهو قرار متسرع خصوصاً وأن عجز الموازنة المتوقع هو لسنة 2015 معتمدة على توقعات إعلامية وليس واقعا حدث أو احصاءات أنتجتها ستاندردز آند بوورز. ولم يأخذ التقرير في الحسبان أن وصول العجز الى 16% من اجمالي الناتج المحلي وإن تحقق يظل في مستويات متدنية جدأ عند مقارنته بدول أخرى، ناهيك عن أنها لم تستأنس برأي صانعي القرار في الحكومة عن مدى وصول العجز الى هذه المستويات والخطوات الإجرائية التي قد تسستخدمها الحكومة في الحد من ذلك العجز والتعامل معه. وأهملت التأكد عن مدى قدرة الحكومة السعودية في تحمل العجوزات المستقبلية وطريقة تمويلها، وماذا على الحكومة فعله تجاه أسعار النفط؟ وهي اسئلة بدهية تتم من قبل محللي شركات التصميف الائتماني عند لقائهم مع مسؤولين حكوميين للتأكد من مدى قدرة الحكومة السعودية في التعامل مع التحديات المستقبلية. إن اقتناع شركات التصنيف الائتماني بقدرة الحكومة على التعامل مع التحديات المستقبلية سيجعلها تضع التقييم المستقبلي النهائي بشكل مؤكد. فبدلأً من تبنيها نظرة سلبية على سبيل المثال فبإمكانها تبني نظرة مستقرة لو بذلت جهدا أكبر في التحري والبحث والاستقصاء. وهو مافعلته مؤسسة موديز التي أبقت على النظرة المستقبلية المستقرة مع البقاء على التصنيف الائتماني للمملكة كما هو لأنها تمكنت من مقابلة مسؤولين حكوميين ومسؤوليين في القطاع الخاص ماجعلها تثق بقدرة السعودية على تجاوز مسألة انخفاض أسعار النفط وتمويل عجز الموازنة بأرخص التكاليف. وأقول هذا الكلام حيث إنه سبق وأن اجتمعت مع ممثلي هذه الشركات في مناسبات عدة لتقييم وضع المملكة الائتماني، حيث إن مثل هذه الاجتماعات تعطي انطباعا مهماً لشركات التصنيف الائتماني في قدرة القطاع الخاص في التعامل مع المستجدات الطارئة في حال انخفاض الإنفاق الحكومي واستمراره لسنوات، مايساعد على معرفة شعور المستثمرين ومعنوياتهم ومدى ثقتهم في التعامل مع التحديات المستقبلية. لقد أهملت ستنادردز آند بوزر هذه الجوانب لأنها فقط لم تتعاقد مع الحكومة السعودية في عملية التصنيف كما هو الحال لشركة موديز.

ولاشك أن هذه التصنيفات تتلقاها الأسواق فتؤدي الى رفع أسعار الفائدة على الديون السيادية للحكومة والشركات السعودية والتأمين عليها، وتعطي مؤشرا خاطئاً عن حتمالية التعثر مايخلق مضاربات حادة على الريال السعودي وكذلك أسهم الشركات السعودية. ناهيك عن أنها ترفع تكاليف الاقتراض للحكومة السعودية والشركات السعودية على حد سواء إن ارادت الاقتراض من الاسواق الخارجية. ويمتد أثر ذلك على سعر الفائدة المحلية حيث تلجأ البنوك المحلية الى رفع أسعارها ايضاً مع التحفظ في الإقراض. لذا ليس مستغرباً أن يكون رد وزارة المال السعودية قوياً ومهماً في طمأنة الأسواق. وهو ما نحتاجه في القادم من الأيام في سرعة طمأنة الأسواق ونشر السياسات الحكومية تجاه مستقبل التمويل وأسعار النفط والعجوزات المحتملة بشكل دائم وشفاف منعاً لمزيد من المضاربات والتكهنات وتأكيداً على قدرتنا على تجاوز أية صعاب محتملة كما فعلنا مع التحديات الماضية.