خصصت محاضرة الأسبوع الماضي الموجهة لطلبة مادة "المرأة في الإسلام" إلى موضوع الاختلاف بين الفقهاء. وتناولت فيها الموضوع مبنياً على فصل ممتع للشيخ خالد مسعود (رئيس مجلس الفكر الإسلامي، وسابقاً المدير العام للمعهد الإسلامي للأبحاث في الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان) من كتاب "نريد المساواة في الأسرة المسلمة" المعنون "اختلاف الفقهاء: التنوع في الفقه كبناء اجتماعي". ويدور حول أهمية اختلاف الفقهاء كآلية قانونية وأداة فقهية مهمة توسع من دائرة الاجتهاد التي يمكن الاستناد إليها في الإصلاح القانوني الإسلامي في إطار قوانين أحوال الأسرة في السياق الحديث ليكون أكثر رفقاً بالنساء في عالم يتزايد فيه تقدير الاختلاف واحترامه، أو هكذا نأمل.

ويؤكد الشيخ مسعود على حجم اختلاف العلماء والفقهاء الكبير عبر التاريخ الإسلامي والذي بدأ منذ اللحظة الأولى لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أخذ يأخذ أشكالاً متعددة مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول الألوف المؤلفة من المسملين من كافة بقاع الأرض ليسوا بالضرورة عرباً، وانتشار الصحابة في كل مكان وتوزعهم وتباعدهم، ثم تباعد الشقة بينهم وبين زمن الرسول الكريم، مما جعلهم يختلفون بينهم فيما يحفظون وفيما اجتهدوا فيه وفيما نُقل عنهم. يختلفون هم ومَن وراءهم في فهمهم للعلوم الشرعية سواء كانت علوم القرآن أو الحديث أو الفقه. وقد فصل وأجمل رغم صعوبة الموضوع واتساعه، مشيراً إلى تبحر المسلمين في هذا الشأن منذ القرن الرابع وحتى الرابع عشر الهجريين، تأليفاً في مذاهب الفقهاء واختلافاتهم وفي فخر التقاليد الإسلامية في العلوم مثل مصطلح الحديث، الجرح والتعديل، علم الرجال/ والنساء، الناسخ والمنسوخ وغيرها.

ومن الناحية التاريخية فإن الاختلاف كان مرصوداً من خلال الصراعات السياسية والفتن المعروفة منذ صدر الإسلام ابتداء من مقتل سيدنا عثمان بن عفان مروراً بالجمل وصفين وكربلاء وحصار المدينة ومكة عبر القرن الأول الهجري وما تلا ذلك في العصر العباسي مما انعكس على العلوم الشرعية بشكل كبير نتج عنه المذاهب الإسلامية المختلفة التي تعايشت بشكل كبير.

وفيما أنا أشرح ما يختلف فيه الفقهاء وتعايش اختلافهم واحترامهم لبعضهم البعض ولولا ذلك لم يكتب مفسر تفسيراً ولا فقيه كتاباً، ضربت لهم مثلاً معاصراً من إشكاليات عدم اقتدائنا بالعلماء الأوائل في تعايشنا مع بعضنا البعض ومحاولتنا لفرض ما نؤمن به على بقية المسلمين، بل والحكم على الآخرين بالكفر والفسق وكأننا مخولون القيام بذلك بكل كِبر وتعدٍّ على الذات الإلهية. وذكرت الاعتداء الآثم على مسجد المشهد بنجران الذي نفذه مواطن رأى نفسه مخولاً بتحليل دم من اختلف معه في تطبيق سافر لمبدأ الخوارج الذين كفّروا علياً بن أبي طالب وجمعاً كبيراً من صحابة رسول الله. وإذ بالفصل يضج بالتعليق والتفسير والفتوى طلبت الصمت التام ثم التأمل فيما جرى وكيف يقيمونه. وعندها أدرك الجميع، أو آمل أنهم أدركوا، ما يقومون به على أرض الواقع من الحكم والتجاوز والتعدّي على مسلمين آخرين بدعوى اعتقادهم أنهم أفضل وأعلم. شرحت لهم الفرق فيما جرى قبل قليل وما ينبغي اتباعه، وكيف أننا أولاً، لسنا مخولين بالحكم على اعتقادات البشر، فنحن مأمورون بالتوجيه الإلهي "لا إكراه في الدين"، والنقطة الثانية أن الجميع مواطنون، ومن حقهم علينا التعايش السلمي وحفظ دمهم ومالهم وعرضهم وإلا فنحن محاسبون أمام رب العباد فيما فرطنا فيه.

ورحم الله شهداء نجران وكل آمنٍ أُخذ غفلةً من مأمنه.