ركزت وزارة العمل في السنوات الماضية على رفع تكاليف العمالة الوافدة من أجل مساواتها مع تكاليف السعودة، وبالتالي زيادة السعودة. وساندت ذلك بتحرير سوق العمالة الوافدة بالسماح لها بالتنقل بين الشركات حسب النطاقات المدرجة فيها تلك الشركات. كما ساندت ذلك بتبني برامج تشجيع السعودة مثل سداد 50% من الراتب و إعانات حافز وغيرها. هذه السياسات حققت بعض النجاحات، لكنها أهملت الجانب الأهم في المعادلة (السعوديين) حيث إن سياسة رفع التكاليف يعطي القطاع الخاص خيارات عديدة لأفضل السبل لتوظيف العمالة بغض النظر عن أنها وافدة أو سعودية. كما تجاهلت تلك السياسات تشوهات سوق العمل (الخلل الهيكلي في سوق العمل). هيكل سوق العمل يمكن تقسيمه الى عدة أسواق حسب المهارة وحسب الجنسية. فحسب المهارة (عمالة غير ماهرة، شبه ماهرة، ماهرة)، وحسب الجنسية (سعودية، وافدة). ومشكلة البطالة تقع في غير الماهرة وشبه الماهرة للسعوديين، وفي الماهرة يمكن التعامل معها كبطالة موقتة.

وحيث إن المهارة هي دائماً لصالح العمالة الوافدة أيا كان نوع تلك المهارة، فإن رفع التكلفة دائماً يذهب الى الوافدة بسبب المهارة المفضلة عن السعوديين، والديمومة المتوقعة في استمراريتهم في نفس الوظيفة والشركة، مع مطالبتهم بالحد الأدنى من المميزات مثل التأمين الصحي، الترقيات، الأمان الوظيفي، التأمينات، الخ.

ويمكن القول إن العمالة الوافدة لا تهتم كثيراً بالمميزات الاضافية ولا بيئة العمل، المهم هو الأجر المدفوع آخر الشهر، وعلى عكسه، فإن المواطن يهتم كثيراً بالمميزات، وبيئة العمل لأنها هي التي تحدد مصيره في الاستمرار في نفس الوظيفة ونفس الشركة من عدمه. وحيث إن برامج: حافز، وجهود التأنيث، لعبت دورا مهماً في مساندة غير الماهرة وشبه الماهرة، فإن المشكلة ظلت في ديمومة الوظيفة واستمراريتها في القطاع الخاص. فالبعض يدخل وظائف القطاع الخاص موقتا حتى يجد وظيفة حكومية أو وظيفة أخرى في القطاع الخاص أكثر ملاءمة. والسبب غياب المميزات وبيئة العمل المتردية، والسياسات والإجراءات اللازمة للشفافية وحفظ الحقوق في القطاع الخاص.

ويبدو من هنا انطلاق فكرة ميلاد "هيئة توليد الوظائف وحماية البطالة" لسد هذا الخلل الذي أدى الى صعوبة توطين الوظائف الموجودة فعلاً، حيث إننا لا نحتاج الى "توليد" مزيد من الوظائف بل الى "تمكين" مزيد من السعوديين في الوظائف. وهذا التمكين لا يمكن أن يتم ويستمر الا بتحسين بيئة العمل في القطاع الخاص. وهو الأمر الذي أهملته وزارة العمل لسنوات، وحان الوقت للهيئة الوليدة أن تتعامل معه كأولوية قصوى فليس هناك أفضل من تقديم بيئة عمل مناسبة كعنصر جذب لتوظيف المواطنيين.

لذا أقترح على الهيئة الوليدة أن تركز على تحسين بيئة العمل بالطرق التالية:

  • اجازة نهاية الأسبوع يومان (جمعة وسبت). سيكون من أهم العوامل الجاذبة.

  • اصدار سياسات للعمل الجزئي لأن ذلك سيساهم بشكل كبير على انخراط الشباب السعودي في السوق غير الماهرة كوظيفة موقتة وفي الإيجازات في الفندقة والمطاعم والخدمات اللوجستية والتجزئة ما يقلل من استقدام العمالة الوافدة، ويخفض تكاليف الاعمال، ويساهم في سد فجوة يوم الاجازة الزائد.

  • اجبار شركات القطاع الخاص على وضع تنظيم هيكلي واداري معتمد من الهيئة يناسب طبيعة المنشأة.

  • اجبار الشركات على وضع سياسات ولوائح للرواتب والمكافآت والمسار الوظيفي والترقيات وخارج الدوام، ووصف وظيفي مفصل ينطوي على المسؤوليات والواجبات لكل وظيفة ويتم مراجعتها بشكل دوري.

  • التأكد من وجود سياسات واضحة وصريحة للعلاوات السنوية مرتبطة بالتقييم الوظيفي السنوي ومعامل التضخم في بعض الأحيان.

  • يمكن للهيئة أيضاً التدخل في طبيعة ومكان العمل وملاءمة المبنى وكثافة العمالة في المكاتب وتقسيماتها وتفريعاتها إن اضطرت لذلك.

هذه المقترحات ستساهم في استقطاب السعوديين لسوق العمل في القطاع الخاص منذ السنين الأولى لدخولهم سوق العمل بدءا من نشر ثقافة العمل الجزئي مايسهم في مساندة ثقافة وأخلاقيات العمل الدائم. كما أنها ستخفض معدلات استقدام العمالة غير الوافدة في المدى المتوسط، مع خفض التكاليف للمنشآت السعودية في المدى المتوسط والطويل.