الحكمة في الشعر قسمان:الأول: حكمة حارة لانها تخرج من نار التجربة وفرن المعاناة، وخير مثل لها في الشعر الفصيح حكمة المتنبي، وفي الشعر الشعبي حكمة حميدان الشويعر، وليس الامر قصراً عليهما ولكنهما - فيما اعرف - خير مثال على ذلك.

فالمتنبي يخوض غمار الحياة ويتصارع مع الطموحات والتحديات ويبلو كثيراً من الناس وينكوي بنار التجربة فتخرج الحكمة من فمه ومن قلبه حارةً تنبض مكوية بنار المعاناة ولهيب التجربة.

وحميدان الشويعر كذلك، تخرج معظم حكمه الشعرية خلاصةً لتجارب واقعية مريرة صهرته بنارها وقذفت براكينها بالحمم من فمه وقلبه.

حين يقول المتنبي:

ودهر ناسه ناس صغار

وان كانت لهم جثث ضخام

وما انا منهم بالعيش فيهم

ولكن معدن الذهب الرغام (1)

وشبه الشيء منجذب اليه

واشبهنا بدنيانا الطغام (2)

ولو لم يعل الا ذو محل

تعالى الجيش وانحط القتام (3)

فإنه لا يريد ان يُنظِّر لنا بأن الذهب يستخرج من التراب، ولكنه يشكو مر الشكوى، وتخرج الحكمة من قلبه الراجف خروج النار من فوهة بركان.. كذلك ابو تمام حين قال:

شكوت وما الشكوى لمثلي عادة

ولكن تفيض النفس عند امتلائها

فإنه لا يريد ان يثبت لنا ان الإناء يفيض حين يزيد امتلاؤه - ما اسهل هذا وما ابرده.. إنه يخرج لنا بحكمة حارة من داخل نفسه المتقدة.. كذلك حميدان الشويعر حين يقول:

نخيت قرم من عيالي مجرب

الى نزر ماذاق الطعام اسبوع

فترى ياولدي من ثمن الخوف ماسطا

والانجاس ماخلوا سبيلك طوع!

فالحكمة هنا تأتي من لهيب التجربة ونار الشعور والمعاناة.. لا من برج عاجي.. وهي تعبير عن شعور صارخ وليست تنظيراً لعقل بارد.

والثاني: حكمة باردة تصدر من برج عاجي صاحبه يفكر بعقل بارد وينظم ما فكر فيه على شكل سبحة من الحكم والنصائح الصادقة ولكنها باردة لم تمر على نار التجربة ولم تصدر من حرارة المعاناة وانما صدرت من تفكير هادئ بارد يزن الامور بموضوعية، وخير مثال لهذا النوع شعر صالح بن عبدالقدوس في الأدب الفصيح، فجله من نوع الحكم الباردة، ومثل عبدالصمد بن المعذل في قوله:

ارى الناس احدوثة

فكونوا حديثاً حسن

كأن لم يكن ما اتى

وما قد مضى لم يكن

إذا عز يوماً اخوك

في بعض امر فهُن

ونحو هذا من الحكم التي قصدت قصداً فهي الهدف وليست الوسيلة لتحرير المشاعر، هي حكم نافعة ولكنها غير صادرة من حرارة التجربة، كمقصورة ابن دريد المشهورة والمليئة حكماً متتابعة ولكنها نتيجة تنظير لا معاناة حارة مباشرة ..من المقصورة مثلاً:

من لم تفده عبر أيامه

كان العمى أولى به من الهدى

ومن لم يقف عند انتهاء قدره

تقاصرت عنه فسيحات الخطى

وآفة العقل الهوى فمن علا

على هواه عقله فقد نجا

فإن أمت فقد تناهت لذتي

وكل شيء بلغ الحد انتهى

الى آخر المقصورة المليئة بالحكم الصادقة التي من الممكن قياسها باستقامة المسطرة لا بحرارة التجربة، والحكمة دائماً نافعة، الفرق ان الحكمة الحارة نابعة من مياه الفن الدفاقة فهي باقية على مر العصور، لا بما انطوت عليه من حكمة ولكن بما حوت من فن جميل ومشاعر إنسانية نابضة كالقلب الحي.

٭ ٭ ٭

ولأخي القارئ الكريم أقول إن تقسيم الحكمة في الشعر الى (حارة وباردة) لا يعني وجود خرسانة مسلحة تفصل بين القسمين، وبين النوعين من الشعراء، وانما المسألة على الغالب، فقد تصدر حكمة حارة من شاعر عاش في برج عاجي واشتهر بالتنظير، وقد تصدر حكمة باردة من شاعر خاض غمار الحياة واكتوى بالمواقف وبالناس، وانما المدار على الغالب العام هنا وهناك، ولهواة الحكمة الحارة مثلي يحسن قراءة شعر طرفة بن العبد وبشار بن برد والإمام الشافعي ايضاً وغيرهم وحميدان الشويعر والشريف بركات في موروثنا الشعري الشعبي..

ومما يعطي الموضوع ابعاداً متوهجة، ان الشعر هو ديوان العرب، وفنهم الاول، وعشقهم الاصيل، وهو مرآة لنفوسهم وحياتهم الشخصية والاجتماعية والسياسية، يسمعنا خفقات قلوبهم، ويطلعنا على اسرارهم، ويجسد امامنا آمالهم وآلامهم، ويدون مكارم الاخلاق، واذا كان الاغريق في فلسفتهم قد تحدثوا عن الاخلاق كثيراً، وناقشوها بالمنطق، وقعَّدوا لها القواعد، فإن الشعراء العرب - الفصحاء والشعبيين، قد تركوا لنا ملاحم فريدة في تمجيد مكارم الاخلاق، وتقريبها الى القلوب، وتحبيبها الى النفوس، وكان الشاعر منهم حين يتكلم عن مكارم الاخلاق يصف معشوقة له بارعة الجمال، تمتع العيون وتأخذ بالالباب، وتأثير الشعر اقوى من النثر بما لا يقاس، لانه فن جميل يعشقه الناس، ويعشقون ماينطوي عليه.. وقديماً قال ابو تمام:

ولولا خصال سنها الشعر مادرى

بغاة العلا من أين تؤتى المكارم

٭ ٭ ٭

ولد حميدان الشويعر في بلدة (القصب) المشهورة بالملح، والتي تبعد عن الرياض مائة وخمسين كيلومتراً شمالاً في منطقة الوشم.. وهي بلدة اعرفها جيداً واحبها لانني من اهلها، ولم يعرف تاريخ ميلاد الشاعر بالتحديد، ولكنه توفي سنة 1180ه او قبلها بقليل، وقد بلغ مرحلة الشيخوخة، فيبدو ان ميلاده في اول القرن الحادي عشر، وهو من (السيايرة) من قبيلة بني خالد المعروفة، واوصافه - كما تواترت على أفواه الرواة - انه كان قصيراً ذكياً وحاداً، وفقيراً ايضاً كما يتضح في شعره، ومن شعره ايضاً يتضح انه قرأ في اشعار العرب واخبارهم، وكان له رحلة مشهورة الى العراق، وبالاجمال فإن حميدان الشويعر كان طموحه يفوق قدراته بكثير، وهذا اخصر طريق للشقاء والمعاناة والغضب على الناس، بسبب وبدون، لهذا كان هجاءً مر الهجاء، وكان ساخطاً في اغلب الاحوال، كما كان شجاعاً بلا حول يذكر، وهذه ايضاً مصيبته، فإذا جمعنا هذه الصفات فلعل مفتاح شخصية حميدان (عقدة الاضطهاد) وهي عقدة كريهة تجعل صاحبها يطفح بالمرارة.

لهذا فإن الكثير من شعر الحكمة عند حميدان يخرج حاراً من نار معاناته، قليل التفاؤل بالناس، معتزاً بنفسه، وحق له.

كقوله:

أنا ياولدي جربت الامور كلها

ماكبرمن عظم المصيبة وهان

حبال الرخا تورد مياه كثيرة

وبالضيق ما ترد الخدود قران

انا اختار نومي فوق صوانة الصفا

ولا جودري في بلاد هوان

ولو صار شربي ماً هماج مخالطه

حنظل وانا لي بالمعزة شان

احب علي من ملك بغداد وارضه

الى البصرة الفيحا ودار عمان

وقوله:

النعمة خمر جياشه

ما يملكها كود وثقه

والجوع خديد يم اجواد

ودّك ياطا كل زنقه

ليت ان الفقر يشاورني

كان ادهك به كل فسقه

كان ادهك به عبر فسقان

عقب الصمعا صلف نهقه!

ويروي (حمرا) بدل (خمر) و(أدمك) بمعنى (أطحن) وفي البيت الأخير يشبه المترف الفاسق بالحمار، فالحمار ألذ طعام عنده نبات (الصمعا) فإذا اكله بنهم وشبع رفع صوته بالنهيق، وان انكر الاصوات لصوت الحمير، ولا ادري اي ترف يتحدث عنه حميدان في ذلك العصر البائس؟! ولكن الامور نسبية.

والشاعر الموهوب حين يطلق حكمته تنطبق على كل زمان ومكان، كقول حميدان:

الفتنة نايمة دايم

مار الانجاس توعيها

يشبّ الفتنة مقرود

يعلقها من لا يطفيها

فالى علقت ثم اشتبت

بالحرب انحاش مشاريها

لحقت برجالٍ اجواد

دايم تنصا قهاويها

ادفع الشر دامك تقدر

حتى تصير بتاليها

قوله (تنصا قهاويها) أي أنهم رجال كرماء تدار في مجالسهم القهوة وتقام الولائم، وليست (القهاوي) بمعناها اليوم فلم تكن موجودة وقتها.

٭ ٭ ٭

ولحميدان مفردات من الحكمة اما لاذعة او ساخرة كقوله:

لقيت دوا الظما القربه

ودوا الحمار القيد!

وقوله:

تموت الأفاعي وسمها في نحورها

وكم من قريس مات ماشاف قارسه

وقوله:

المال لوهو عند عنز شيورت

وقيل: يا أم قرين وين المنزل؟!

وقوله:

ومن لا يصير بقدر نفسه عارف

هذاك ثور ما عليه قلاده!

وقوله:

والذي يرتجي الفضل عند اللئام

مثل مستفزع صاح في مقبره

وقوله:

لو يجي عابدٍ لابدٍ له بغار

ما يحب القشر جاه من تحشره

(تحشره) آذاه..

٭ ٭ ٭

وقد تأتي الحكمة في شعر حميدان زفرة حرّى او آهة حسرى بعد غناء حزين يرثى فيه الشاعر لنفسه ويصف حالة ويتأمل في الدنيا.. كأنما الحكمة التي تأتي خاتمة الشكوى بمثابة التسرية عن النفس والبحث عن السلوى:

بالعون منيف قاله لي

يقول غلاك يوم انت صبي

وكذّبت منيف في قوله

وتبين لي ماكان غبي

ترى الشايب عند عياله

وام عياله مثل العزبي

قلوا فيده وعافوه

عقب التمسك بسببي

احفظ مالك تجي غالي

حتى يلاقونك يالعتبي

حتى ام عيالي زهدت بي

نسيت جميلي وطربي

منول تقول لي لبيه

وهالحين تقولي وش تبي؟!!

ورأسي وعظامي توجعني

وظهيري من حد حقبي

وهجوسي تسري بالليل

خوفٍ من موتي بطلبي

صدرت وطويت العدة

ويعقبني من كان يبي

الدنيا عامرها دامر

مافيها خير ياعربي!

٭ ٭ ٭

للمزيد عن حميدان الشويعر انظر:

1- ديوان النبط للأستاذ خالد الفرج.

2- صحافة نجد المثيرة في القرن الحادي عشر: رئيس التحرير حميدان الشويعر.. للدكتور عبدالله ناصر الفوزان.

3- ديوان حميدان الشويعر - إعداد الأستاذ محمد بن عبدالله الحمدان.


1- الرغام: التراب.

2- الطغام: إراذل الناس وغوغاؤهم.

3- ذومحل: ذو منزلة كبيرة. والقتام الغبار، يقول: لو أن الذي يرتفع هو الافضل ما ارتفع الغبار فوق الجيش.