الحشد الهائل للآلة العسكرية في الشرق الأوسط مبعث قلق للمنطقة التي تتنازعها المصالح والنفوذ.. لقد بلغ حجم الاستقطاب شكلاً غير مسبوق، وأدى ذلك كله إلى حالة من التوتر يخشى أن تدفع بالقوى الكبرى إلى خوض صراع عالمي قد تكون شرارته منطقة الشرق الأوسط، بعد أن عرف العالم حربين عالميتين انطلقت شرارتهما من أوروبا.

لم يكن خطاب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة وتشبيهه ما يشهده العالم بحرب عالمية ثالثة، الوحيد الذي يشبّه الحاصل اليوم بحرب كونية، بل إن الجيوستراتيجي الشهير زبينغو برجينسكي استهل مقاله هذا الأسبوع في الفايننشال تايمز قائلاً: "لا يخفى على أحد كيف اندلعت الحرب العالمية الأولى: تراكم أعمال عنف فردية أدى إلى عمليات عسكرية لا عودة عنها. وافتقرت هذه العمليات إلى وجهة استراتيجية شاملة وأهداف واضحة. وانتهت الأمور إلى أربع سنوات من مذابح ارتكبت.."

إن الوقت اليوم ليس في البحث عن مسببات ما آلت إليه الأمور في الشرق الأوسط، بل إنه يُفترض أن ينصرف في اتجاه جدية إيجاد حل أو حلول لإيقاف التدهور الأمني والعسكري الحاصل في المنطقة، وإيجاد حالة من التوازن الدولي نحن أحوج ما نكون لها، وإيقاف إرباك ذلك التوزان وكف العبث به والنظر إلى الأمور بشكل استراتيجي بعيداً عن المصالح التكتيكية.. إذ إن انحدار المشهد السياسي في المنطقة وما سيترتب عليه سيمتد بلا شك شيئاً فشيئاً ليصل إلى أقاصي الكون، ولن يكون أحد في معزل عن تلك التداعيات.

أميركا وروسيا دولتان عدوتان؛ والصراع بينهما لم يبلغ حداً شهد العالم جراءه صراعاً عسكرياً، بل على العكس خلال الحربين العالميتين حارب البلدان في خندق واحد ضد دول المحور، لكن المشهد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة، والبحث عن نظام عالمي جديد، يدفع روسيا تحديداً للبحث عما تستطيع من خلاله مقاومة ما يهدد كيانها وثقافتها وتثبيت نفسها كرقم في معادلة تراها تُصاغ دون أن تكون إحدى مصفوفاتها.. وترى أن الناتو الذي يحشد عتاده على حدودها بحاجة إلى صدمة قد تدفعه لإيقاف الزحف صوب أراضيها وإرثها.. لذا فهي تناور اليوم عسكرياً على حدود أهم دول الحلف الأطلسي، ونقصد هنا تركيا، التي كانت في زمن ازدهارها تحكم القِرم الذي يُطرح دائماً كجزء لبداية التفاهم حول الأزمة في سورية..