غياب مؤسسات المجتمع المدني، لا يعني ألا تظهر مشروعات هنا وهناك، يقوم عليها أفراد من المجتمع او مجموعة منهم لتبرز ملامح مؤسسات مدنية حتى لو لم تتوسل هذا الاسم أو تتعلق بعناوينه ولافتاته.

كنت قد قرأت عن إنشاء متحف للعقيلات في بريدة، إلا انني تصورته مجرد واجهة لمقتنيات رحلات العقيلات الشهيرة التي كانت تنطلق من القصيم لبلاد الشام والعراق لتصل الى مصر في قوس ممتد يصل حتى بلاد النوبة وعبر عقود طويلة قدرها بعض الباحثين بأكثر من ثلاثمئة عام.

فوجئت ببناء تراثي مميز في مدينة بريدة، وبتصميم داخلي رائع يحقق وظيفة متحف جدير بهذا المسمى بتصميمه ومقتنياته في تناغم جميل بين وظيفة متحف، وبين ذاكرة تاريخية يجب ألا تغيب عن المشهد الوطني.

العقيلات ليست صورا فقط، إنها حوادث وصراعات وتحد وقيم لمواجهة ظروف الحياة القاسية في نجد والقصيم على وجه الخصوص.. إنها اعظم رواية يمكن ان تكتب. بل أرى كل عقيلي هو مشروع رواية عظيمة لو تم رصد وجمع التاريخ الشفوي.. ليأتي من يقوى على تحويل تلك الصور إلى كلمات ومشاهد تنبض بالحياة.

تأملت مقتنيات وموجودات المتحف، وجدته بالفعل محاولة لاستعادة ذاكرة أجيال مرت من هنا. ليس المهم تلك المقتنيات المادية التي يتوفر مثلها كثير في بعض المتاحف الخاصة والعامة.. إنما اللافت تركيز المتحف على اسماء وأعلام ورجالات عقيلات.. ففي كل لوحة تبرز اسماء وشخصيات ومعلومات حري بالقارئ الشغوف بالتاريخ وتحولات الماضي والحاضر ان يتوقف عندها طويلا.

"عقيل" ليست قبيلة ولا تكوينا عصبويا من جماعة ذات سمات عرقية محددة. إنهم من حاضرة القصيم، وخرجوا من المجتمعات الزراعية التي تكونت في بلدات القصيم بكل ما تحمله من سمات وقيم، وظلت تشكل منظومة اجتماعية اقتصادية طيلة نشاطها الذي توقف في عام 1948.

يقول داوتي حين استشرف القصيم في عام 1878م "وصلنا القصيم.. وأهل القصيم عاقلون ومغامرون، وثلثهم تقريبا من الذين ينسجون الدروب بأسفارهم الى المناطق الاجنبية، والى المدينة ومكة، والى الكويت والبصرة وبغداد والعارض وشمر. يغادر الكثير من أهل القصيم دياره في فترة الصبا بحثا عن الرزق خارج الحدود، وقد وجدت أن الكثير منهم عمل جنديا في صفوف العثمانيين، وكانوا حتى فترة قريبة مضت عقيل بغداد ودمشق والمدينة وكل منطقة نجد الى الشرق من تيماء.."

ويضيف داوتي بأن "عقيل عرب يتحدرون من وسط شبه الجزيرة العربية بشكل عام ومن القصيم بصفة خاصة، أما أهم مدنهم فهي بريدة وعنيزة والعيون والبكيرية والخبرا والرس، وان البدو يطلقون على عقيل لفظ العقيلات".

وتعرّف مخابرات الادميرالية البريطانية عقيل بأنهم من اهل نجد ومن القصيم بصفة خاصة، كما تعرفهم في تقرير آخر فتقول بأن العقيلات ليست قبيلة ولكنها منظمة لها طبيعة الرابطة او الهيئة او التجمع.. وليس لهم ارتباط بقبيلة عقيل القديمة. حيث انتهت تلك القبيلة كوحدة من زمن بعيد. ولم يبق لها اثر يذكر.

أما أصل تسميتهم بالعقيلات فأرجح الآراء تعيده نسبة الى العقال الذي يعصبون به رؤوسهم والذي ميزهم عن غيرهم. بل ان لبس العقال لم يكن سائدا في القصيم قبل ظهور العقيلات حسب بعض المؤرخين.

ولم تقتصر تجارة عقيل على الابل والخيل التي يشترونها من قبائل وسط نجد ويرحلون بها عبر خطوط تجارية معروفة لهم حيث اسواق العراق والشام ومصر.. بل ساهموا في انعاش التجارة في مدن القصيم التي جلبوا لها في رحلة العودة الأقمشة والرز (التمن) والشاي والسكر والقهوة والهيل وحتى بعض الادوية.

يضم متحف العقيلات اليوم سجلا كبيرا يتجاوز 3500 صورة لعقيل، و1500 وثيقة، و500 قطعة من مقتنيات عقيل يستخدمونها في رحلاتهم وتنقلاتهم.

المتحف اليوم يعد سجلا لذاكرة العقيلات، ما يحتم تطويره على نحو يمكن ان يجعل منه مصدرا وثائقيا يُمكن للباحثين أن يجدوا فيه ما يعينهم على انجاز دراساتهم وبحوثهم حول هذه الظاهرة التي لم تدرس حتى اليوم قياسا إلى الاثر الذي احدثته في جوانب اقتصادية وثقافية واجتماعية خلال تلك العقود الطويلة التي تساوقت فيها رحلات العقيلات ذهابا وايابا.

وإذ أقدر للأستاذ عبداللطيف الوهيبي، جهده الكبير، وهو الذي يقف خلف هذا المشروع وهو مؤمن بأهميته والاثار الايجابية لهذا النشاط المتواصل، إلا انني أرى ان هذه المؤسسة المدينية الاجتماعية الثقافية تتطلب المزيد من الدعم لتشكل لبنة ثقافية تجعل من المتحف مقصدا للزوار والباحثين، ولتتطور نشاطاته على نحو يجعله متحفا متخصصا يؤسس لفكرة المتاحف المتخصصة ذات الطابع الوثائقي.

التمويل يشكل حجر عثرة في مشروعات التطوير، وأرى ان ابناء واحفاد العقيلات يمكنوا ان يسهموا على نحو افضل بتأسيس صندوق توظف استثماراته مهما بلغ حجمها في تشغيل المتحف وتطوير ادواته وتنمية نشاطه، وهذا أضمن لاستدامة مصادره.

أتطلع إلى متحف يعرض فيلما وثائقيا للزوار، يمكن إنتاجه بطريقة محترفة وبتقنية عالية يتتبع مسيرة العقيلات وأدوارهم وسماتهم ومراكزهم وحضورهم وتأثيرهم وتجارتهم ونشاطهم.. وأعتقد ان المادة الاساسية متوفرة لصياغة سيناريو يحقق هدف الفيلم.

أتطلع الى مكتبة متخصصة داخل المتحف تضم كل ما كتب عن العقيلات، وكل كتب الرحالة الذين جابوا الجزيرة العربية خلال القرنين الماضيين، بل اتطلع إلى نشاط يصل إلى مستوى البحث في الارشيف البريطاني والفرنسي والتركي (العثماني) لنسخ تلك المصادر الوثائقية التي ستكون سجلا مهما يسهل مهمة الباحثين والقراء والمهتمين بالدراسات التاريخية والاجتماعية في الجزيرة العربية.

اتطلع إلى استقصاء وبحث أوسع عن العقيلات اسماء وحضورا، ليس فقط لكبارهم وقادة حملاتهم خلال الخمسين عاما التي سبقت توقف رحلاتهم، ولكن عبر اكثر من ثلاثة قرون تجسدت فيها ظاهرة تبادلية مؤثرة سياسيا واقتصاديا وثقافيا بين نجد والعراق وبلاد الشام ومصر.

الصور لا تكفي لرصد مشهد لازال بعضه في ذاكرة ابناء واحفاد بعض العقيلات، ولكنه حتما سيغيب بعد فترة من الزمن عن ذاكرة الجيل الحالي والاجيال القادمة. ولذا تبدو مهمة المتحف اساسية في رصد وتسجيل ذلك التراث الكبير.

العقيلات ليست صورا فقط، إنها حوادث وصراعات وتحد وقيم لمواجهة ظروف الحياة القاسية في نجد والقصيم على وجه الخصوص.. إنها اعظم رواية يمكن ان تكتب. بل أرى كل عقيلي هو مشروع رواية عظيمة لو تم رصد وجمع التاريخ الشفوي.. ليأتي من يقوى على تحويل تلك الصور إلى كلمات ومشاهد تنبض بالحياة.

أرجو من أبناء وأحفاد العقيلات ان يولوا هذا المتحف اهميته، فقد كان ثمرة اهتمام وجهد شخص أو مجموعة افراد يعيش في وجدانهم هذا التاريخ واصبح امام انظاركم حقيقه ماثلة للعيان.. لكن استمرار وتطوير هذا النشاط يتطلب المبادرة والاسهام سواء من خلال دعم الصندوق المقترح حتى يتسنى تشغيل هذا المتحف وتطويره.. ومن خلال تزويد المتحف بمعلومات او مقتنيات او مدونات تركها الآباء والاجداد الراحلون من جيل العقيلات الذين شكلوا جزءرً من وجدان وثقافة وتاريخ هذه المنطقة.