تُنشر تقارير خارجية عن الاقتصاد السعودي بشكل دوري ومنذ سنوات طوال ومنها تقارير لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتقارير التنافسية العالمي وتقارير التقييم الائتماني الذي يصدر من عدة شركات مثل ستاندردز آند بورز وموديز وفيتش وغيرها من التقارير التي تخص النفط وبعض الشركات والبنوك السعودية، وهذه التقارير في مجملها تصدر لجميع الدول تقريباً، وتأتي أهميتها بالدرجة الأولى للمستثمر الأجنبي، حيث ان المستثمر المحلي وكذلك المراقب للشأن السعودي بالداخل يعرفون الكثير عن السعودية واقتصادها، وتبقى أهمية هذه المنشورات في تأكيد نظرتهم، وتفاصيلها التي تحوي أحياناً معلومات وبيانات غير متاحة للداخل.

والسؤال لماذا يهتم المستثمر الخارجي والحكومات الأخرى بهذه التقارير؟ في الغالب لايتابع المستثمر الخارجي الاقتصاد السعودي إلا في حالات نادرة وهامة، وحتى تحين له فرصة الاستثمار في المملكة فإنه يبدأ بمراجعة تلك التقارير عن المملكة للحصول على تصور عام عن مؤشرات النمو والتنمية والمعدلات الأخرى، ثم يركز على تقارير المخاطر التي تصدر من المؤسسات الدولية مثل شركات التقييم الائتماني والتي تعطي تقييمات عن المخاطر المالية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ويضاف إلى ذلك مؤشرات التنافسية التي هي في النهاية تعطي تصورا عاما للمستثمر الأجنبي عن الشفافية والفساد والبيروقراطية ومحاذير الاستثمار في المملكة مقارنة بالدول الأخرى، ويضاف إلى ذلك أن هذه التقارير تتيح المقارنات بين الدول ومخاطرها الاقتصادية والسياسية والتنموية، ما يجعل مقارنة البيئة الاستثمارية مع دول أخرى ذات فائدة للمستثمر الأجنبي، وفي حال ارتياحه لبيئة الاستثمار في المملكة، فإنه يتجه إلى دراسة الفرصة الاستثمارية نفسها من حيث حجم رأس المال المستثمر، والعائد المتوقع، وسنوات الاستثمار، وفي نفس الوقت يدرس الأنظمة والتشريعات الخاصة بالاستثمار بما فيها النظام القضائي والضريبي وأي أنظمة أخرى لها علاقة باستثماراته، كما يركز على الحوافز التي قد يجنيها من الاستثمار في المملكة مثل القروض الحكومية والأراضي الصناعية والزراعية الرخيصة وغيرها من المحفزات الأخرى، وعلى ضوء هذه المسوحات والمعايير، فإن المستثمر الأجنبي قد يفكر في الاستثمار مع محليين لقدرتهم على تجاوز الأنظمة البيروقراطية والمساعدة في الحصول على القروض الحكومية وحتى البنكية مع ما يتطلب لذلك من دعم لوجستي هام يسهم في اختراق الأسواق والمساعدة على التصدير والتسويق والتوزيع.

والحقيقة التي قد تؤلم أن بعض المستثمرين الأجانب يحصلون على امتيازات وتسهيلات قد تفوق بكثير مايقدم للمستثمر المحلي، على الرغم من أن المستثمر الأجنبي يأتي للاستثمار بدون شروط مسبقة مثل ضرورة نقل التقنية وتدريب السعوديين والمشاركة في المسؤولية الاجتماعية، إذ أن أقصى مايقوم به هو سداد ضريبة أرباح بنحو 20%، وهذه الضريبة في مجملها لا تمثل أهمية تذكر في إيرادات الدولة. بل إنها في مجملها أقل من عائدات الزكاة في كثير من الأحوال، فالبعض يعتقد أن ضريبة ال20% على الشركات الأجنبية فيه تفضيل للشركات المحلية التي تدفع زكاة 2.5% فقط، والحقيقة أن الوعاء الزكوي للشركات المملوكة محلياً وفي كثير من الأحوال أكبر بكثير من مجرد فرض 20% على صافي الربح للشركات الأجنبية، لأن الوعاء الزكوي يشكل كامل حقوق الملاك التي هي في العادة أضعاف صافي الأرباح بكثير.

وإذا كان كل المذكور في متن هذه المقالة هو عن كيف يكوّن المستثمر الأجنبي تصوره العام للاستثمار في المملكة، فإن بعض الكتاب والمعلقين لا يتشكل تصوره الذهني إلا بعد اطلاعه على هذه التقارير لعدم قدرته على قراءة الأحداث مسبقاً؛ فالتقارير الدولية تأتي في معظمها قراءة لأحداث سابقة ومنتهية، لكن قدرة بعض المراقبين والكتاب في قراءة الأحداث السابقة قد تكون ضعيفة وغير واعية لتأثيرها المستقبلي ما يجعل البعض يحتفي بهذه التقارير وكأنها تشكل فاتحة جديدة عن الوضع الاقتصادي والسياسي والهيكلي للمملكة.