الدول التي عزمت على أن تنطلق نحو التنمية وتطوير ذاتها، والارتقاء لمصاف الدول المتقدمة والناهضة يقع على عاتقها عبء كبير، والتزامات ضخمة فهي علاوة على سعيها لتنويع مواردها ومصادر دخلها وأتمتةِ أنظمتها وإدراج الحوسبة في معاملاتها، لتغدو التعاملات الحكومية متوافقة مع برامج الحاسوب التي تطل علينا بين الفينة والأخرى بكل جديد لتسهيل معاملاتنا وحياتنا اليومية، تخشى تلك الدول والحكومات من أن تذهب جهودها أدراج الرياح، إذا لم تقم بتحصينها، ومكمن تحصين الأجهزة الحكومية هو حمايتها من النمل الأبيض.

النمل الأبيض هو المصطلح الذي أطلقه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على الفساد، والمعنى في التشبيه أن النمل الأبيض يتمكن من الشجرة العملاقة أو المبنى فينخر في جوفه وفي داخله حتى يحيله إلى ركام دون أن يتنبأ أحد بسقوطه، وهنا مكمن الخوف الذي يدفع كثيرا من القادة حول العالم لجعل اجتثاث الفساد استحقاقاً يجب العمل على تحقيقه بشكل عملي وليس مجرد كلام، لذا أسند الكثير منهم لنفسه مهمة الاشراف على أعمال ذلك الجهاز المعني بتنفيذ مكافحة الفساد لضمان التنفيذ والمتابعة، فبالقضاء على الفساد يتم ترسيخ هيبة الدولة ومنع استباحة أموالها ومواردها، ومنع تراخي من أوكل لهم مهمة إدارة مرافقها.

ويتعاظم حجم الفساد عندما تكثر موارد الدولة وتضعف الرقابة، كما تسهم البيروقراطية في تفشيه، فيستغل بعض الفاسدين من الإداريين حاجات الناس فيعرقلوا معاملاتهم ويعطلوها ويبتزوهم ما يجبر البعض على التعاطي معهم من أجل إنهاء أعماله، والأدهى من ذلك أن يتم عرقلة عمل الأجهزة الرقابية من قبل بعض قياديي الأجهزة الحكومية بسبب أو دون سبب، وهو ما يستوجب عقوبة مضاعفة يجب على الجهات التنفيذية أن توقعها عليهم.

إن استشراء الفساد يعبث بالدول، ويكرس التفرقة بين المواطنين بين من يملك النفوذ، وآخر يفتقده فيغدو الأخير ناقماً على دولته التي ربما تحاول مساعدته لكن هناك من يحاول وضع العصا في العجلة، فتصبح جهود الدولة غير واضحة ولا ملموسة.

إن القضاء على الفساد مهمة ليست مستحيلة إن أُريد لها أن تنفذ، وإن الاستثناء في محاربته بحيث يُستثنى منه الموظف الكبير على حساب الصغير لا يزيل المشكلة بل يعمقها، فيشعر الكبير أنه مستثنى ومحصن فيستمر في فساده والحقيقة أن معاقبة الكبير تؤدب الصغير.

يحدث الفساد حتى في دول يغلب على أنظمتها الصرامة، لكنه يحدث في إطار ضيق جداً، والسبب أن العقوبة في الغالب تكون صارمة وبالتالي فاللجوء لممارسات الفساد يصبح أمراً نادراً، وإن حدث فعواقبه شنيعة تتعدى من ارتكبه، وإن حادثة شركة السيارات الألمانية "فولكس فاغن" التي اكتشف بأنها تلاعبت في مستوى انبعاثات سيارات الديزل، وما آلت إليه تلك "الأزمة" من استقالة رئيسها التنفيذي، والصدمة التي يشعر بها قطاع الصناعة في ألمانيا ليست بسبب الخسائر المادية فحسب بل بسبب استهداف الصورة التي يعرفها العالم عن مستوى الدقة والأمانة والانضباط الألماني.