من الأمور المثيرة للتأمل في الحكاية الشعبية هو قدرتها على الصمود والتناقل من جيل إلى جيل، وهي بلا شك تؤدي دوراً مهماً في التعبير عن قيم ترغب الثقافة في تكريسها عبر الحكاية، حيث يعايش المتلقي الشخصيات والأحداث دون أن يشعر بالمعاني الخفية التي تتسلل إلى وعيه بشكل غير مباشر. وكلما كانت القيم الأخلاقية التي تؤكد عليها الحكاية هي قيم متفق عليها في أغلب الثقافات، عبرت هذه الحكاية القارات بسهولة، وإن اعتراها بعض التغييرات البسيطة، وربما كان أفضل مثال على ذلك هو قصة "سندريلا".

إحدى الروايات عن أصل قصة "سندريلا" تؤكد أنها تعود إلى أسطورة فرعونية بعنوان "رادوبيس"، وقد سجلها المؤرخ والفيلسوف اليوناني سترابو في القرن الأول قبل الميلاد، لكن النسخة الأوروبية منها كتبها المؤلف جيامباتيستا باسيل عام 1634 في كتابه "حكاية الحكايات" وهي قصص خرافية استمد منها شارل بيرو -1697- ثم الأخوان غريم -1812- الكثير من الحكايات الخرافية التي أصبحت شائعة اليوم، ومنها سندريلا ورابونزل والأميرة النائمة وهانسل وجريتل وغيرها. وكثير من هذه الحكايات ترجمت إلى العربية منذ زمن طويل وأصبحت معروفة لدينا إلى درجة أننا لم نعد نميز أصلها بسهولة.

أما في السينما، فقد كان لقصة سندريلا تاريخ طويل، وذلك من بدايات السينما، حيث أنتج جورج ميليس فيلم "Cendrillon" عام 1899 ومدته 6 دقائق، لتتوالى بعدها الأفلام التي حاولت أن تروي الحكاية المعروفة بشكل قريب نوعاً ما من الأصل ولكن تبعاً لبعض التغييرات التي تتطلبها السينما. وربما أحد أهم هذه الأفلام هو فيلم التحريك "سندريلا" الذي أنتجته شركة ديزني عام 1950، وعلى الرغم من أن بصمة والت ديزني كانت طاغية فيه، حيث أخذت مغامرات الفئران والقط مساحة كبيرة على حساب القصة الأصلية، إلا أن الفيلم فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، وبجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين كأفضل فيلم موسيقي، ورشح لثلاث جوائز أوسكار عن فئة أفضل أغنية وأفضل موسيقى تصويرية وأفضل صوت. وقد تعددت محاولات صياغة القصة بطرق مختلفة، وقد تكون المحاولة الأهم هي فيلم "Ever After: A Cinderella Story" عام 1998، حيث حاول كتّاب السيناريو سوزانا جرانت وآندي تينانت وريك باركس إعادة تشكيل القصة بما يتناسب مع فرنسا في عصر النهضة وتم محو كل العناصر الخيالية من القصة لتبدو واقعية ومعبرة عن تلك الفترة. وقد أبدعت درو باريمور في إعطاء وهج خاص لشخصية سندريلا التي قدمت باسم "دانييل". كما كانت هناك العديد من المحاولات لديزني لاستكمال حكاية سندريلا بعد زواجها من الأمير، كما في الجزأين اللذين تليا فيلم ديزني الأول، لكنهما لم ينالا النجاح الذي ناله الجزء الأول، ثم تمت نفس المحاولة في فيلم ديزني الأخير "في الغابة" "Into The Woods". والأكيد أن أياً من هذه الحكايات التي حاولت استثمار الشخصية الخالدة، لم تضف لها جديداً، وإنما كانت عبئاً عليها، وربما هذا ما حدا بديزني إلى إنتاج فيلم "سندريلا" من جديد، ولكن هذه المرة بشخصيات حقيقية، وبشكل قريب جداً من القصة الأصلية.

في فيلم "سندريلا" -2015- نشاهد "إيلا" ذات السنوات العشر -إلاويز ويب- تعيش طفولة سعيدة ومترفة مع والديها -بين تشابلن- و-هايلي أتويل-، تتعلم سندريلا من أمها أن تؤمن بوجود قوى سحرية، ونراها تخاطب الحيوانات وتحب الفئران. تمرض الأم وتوصيها وهي على فراش الموت بأن تتحلى دائماً بالشجاعة والطيبة. تكبر "إيلا" -ليلي جيمس-، ويقرر الأب الزواج من أرملة تدعى السيدة تريمين -كيت بلانشيت-، فتحضر إلى المنزل ومعها ابنتيها درزيلا وأنستازيا. يتوفى الأب، وبسبب عدم وجود موارد كثيرة للعائلة بعد وفاته، تصرف السيدة تريمين الخدم، وتدريجياً تتحول إيلا إلى سندريلا -سنيدر كلمة تعني باللغة الإنجليزية رماد الجمر- وإيلا تنام دائماً بجوار المدفأة ويتسخ وجهها ببقايا الجمر والرماد، ولذلك ففي إحدى المشاهد تسخر السيدة تريمين وابنتاها من إيلا بمناداتها سندريلا.

تتوالى الأحداث بعد ذلك كما هو معروف في القصة باستثناء، بعض الإضافات البسيطة، ومنها مشهد تغضب فيه سندريلا من زوجة أبيها وابنتيها، فتركب الحصان وتذهب إلى الغابة، وهناك تشاهد "أيلاً"، وتلمح مجموعة من الصيادين يريدون صيده، فتطلب منه أن يهرب، ثم تلتقي بأحد الصيادين وهو ليس سوى الأمير ريتشارد مادن، ولكنه يخبرها بأن اسمه كيت وأنه يعمل لدى الملك، تتحاور سندريلا مع الأمير وترجوه أن يتعهد لها بعدم صيد الأيل. يعجب الأمير بشخصيتها ويتأثر بكلامها، ولذلك يحرص على التعرف عليها فور حضورها للحفل. وينتهي الفيلم بالنهاية السعيدة مع التأكيد على أن ما أنقذ سندريلا في النهاية، وغير مصيرها، هو الشجاعة والطيبة.

حقق الفيلم بعد عرضه نجاحاً جماهيرياً كبيراً، ويعود هذا بلا شك إلى تكامل عناصره، بدءاً من النص الذي اقتبسه كريس وايتز والذي استطاع أن يحافظ على القصة الأساسية مع بعض الإضافات البسيطة لإضفاء المزيد من الطرافة والمتعة. كما أنه مصنوع بحرفية عالية، فمصمم الإنتاج هو دانتي فريتي الحائز على ثلاث جوائز أوسكار عن تصميم إنتاج الأفلام التالية "Hugo" و"SweeneyTodd و"The Aviator"، والصورة المبهرة هي من تصوير السينمائي القبرصي هاريس زامبارلوكوس، وهو الذي وضعت اسمه مجلة فاريتي ضمن قائمة أهم عشرة مصورين سينمائيين واعدين عام 2006، كما قام بعمل المونتاج للفيلم مارتين والش الحائز على أوسكار أفضل مونتاج لفيلم "شيكاغو" عام 2002، أما الأزياء فهي من تصميم ساندي بويل الحائزة على أوسكار تصميم أزياء فيلم The Young Victoria، وقد أدار المخرج والممثل البريطاني كينيث براناه ممثليه بشكل متميز ولكن ثقل الأداء وقع على عاتقي الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم وهما ليلي جيمس والمبدعة بلانشيت، وقد أجادتا في أداء دوريهما، وأضفتا لمسة شخصية خاصة على شخصيتين معروفتين على مر التاريخ. ولذلك كله فإن فيلم سندريلا يعيد لمشاهديه ألق الأسطورة وقوة الرسالة.