ماجد سليمان روائي سعودي صاحب تجربة في كتابة الرواية له ثلاث روايات "عين حمئة" و"دم يترقرق بين العمائم واللحى" وروايته الثالثة "طيور العتمة" التي تسبر أغوار عالم السجون المرعب وتتحدث من داخله، في هذا الحوار يكشف ماجد سليمان عن الكثير من التفاصيل ..

  • في البداية تعتبر روايتك "طيور العتمة" هي الرواية الثالثة خلال ثلاث سنوات هذا خلافا لمجموعة قصصية وديوان شعر وقصص أطفال؛ألا يعد هذا إنتاجا غزيرا بالنسبة لروائي؟ وهل تأخذ رواياتك حقها من العناية؟.

-أنا لست منشغلاً بغير الكتابة الإبداعية، فلست منهمكاً في شبكة الانترنت كغيري، ولست مرتبطاً بعلاقات اجتماعية تأخذني من أوراقي وأقلامي، أنا بقدر المستطاع أعمل بشكل يومي على القراءة والكتابة والتدقيق ورسم الطريق الإبداعي الخاص بي، كتبت روايتي الأولى عام 2010م ونشرت بداية 2011م تلتها روايتي الثانية بداية 2013م ثم روايتي الثالثة طيور العتمة منتصف 2014م هو انتاج ليس بالغزير لو قورن بالمدة فثلاث روايات كتبت في خمس سنوات هو انتاج طبيعي، أما عن العناية بها ، فطبعا أنا لا أفسح المجال لها إلى النشر إلا بعد مرحلة اسميها المرحلة الرابعة في الكتابة الأدبية وهي التي تسبقها مرحلة الكتابة ثم المراجعة ثم التدقيق، وفي كل مرحلة أعيد وأحذف وأشطب وأغير وأبدل، وكل رواية عليها أن تقضي عاماً ونصف العام تحت هذا الإجراء الخاص بي، ناهيك أنني أمكث الليالي الطويلة والأشهر العديدة في قراءة العمل الواحد ومراجعته حتى يكاد ان يهرب من بين يدي، والمدة ليست حكماً فهناك نصوص أدبية قد تكفيها أيام قليلة لأن العبرة بلحظة الإلهام التي تلد النص، فهناك حالات إلهام تنجب نصاً كاملاً وجاهزاً للنشر، وفي المقابل هناك حالات إلهام بالكاد تنضج معها الكتابة الإبداعية، لذا أرى أن العمل الأدبي عموما هو رهن الحالة الإلهامية ومدى قوتها تلك اللحظة، فالتدفق البياني لا وقت له ولا مدة زمنية توضع إلإ في حالات نادرة.

  • تتشابه روايتك في تخيلها للسجون وما يجري فيها مع بعض الأفلام المصرية في فترة الثمانينات والتسعينات مثل فيلم "أحنا بتوع الاوتوبيس" و"طيور الظلام" الذي يتشابه أيضا مع عنوان روايتك؛ أليست الصورة التي صورت فيها السجن صورة نمطية وتقليدية عن هذا المكان الغامض والمجهول؟.

-أنا رجل علاقتي بالتلفاز علاقة جدا ضعيفة، فنصيبي من مشاهدته لا تتجاوز 1% في الأسبوع، لست مشاهداً جيداً للأفلام أو الفنون التي تعرض عبر الشاشة، لسبب واحد وبسيط هو أنني مرتبط بالقراءة مذ كنت صغيراً ولا أتحمس للتلفاز مطلقاً وقد سمعت عن عناوين هذه الأفلام لكني لم أشاهدها، أنا على ثقة أن روايتي لا تتشابه مع أي منها لأنها منسوج خيالي ووليدة عالمي، ثم هذا لا يمنع أيضا من وجود تقاطعات مع أحداث أي عمل فني سواء كان تلفزيونياً أو ورقياً، فقد كتب قبلي كثيرون عن أدب السجون مثل رواية تلك العتمة الباهرة للطاهر جلون رواية شرق المتوسط لعبدالرحمن منيف، وهذا لا يعيق أن يقدم كاتب آخر مخيلته من واقع السجون وما يجري فيها، الحياة بشكل عام حق لكل صاحب قلم، فهل نتهم مثلا كل من كتبوا في الحب أنهم أصحاب صورة نمطية تقليدية؟ فقط لأن نزار قباني مثلا اشتهر بقصائده في الحب.. مستحيل، سيجيء من يكتب عن الحب وبأعداد لا تنتهي لأن هذه طبيعة الحياة يراها الجميع على طريقته وبكيفيته الإبداعية. أحببت أن أضيف أن طيور العتمة هي الرواية الثانية التي تنتمي لأدب السجون ترتيباً زمنياً بعد رواية شرق المتوسط لعبدالرحمن منيف التي هي الأولى في هذا الأدب في مشهدنا السعودي.

  • سجن الراوي "برهان" من ضمن ثلاثة عشر سجينا يموتون واحدا بعد آخر ليكون هو آخرهم موتا ويروي طرق قتلهم الوحشي واحدا تلو الآخر، وينجو هو من أكثر من استدعاء ليبقى وحده ويكمل الرواية ..أليس هذا خطا تقليديا لسرد حكاية؟.

-لا أدعي عملا غير تقليدي ولا أصفه تواضعا بالتقليدي، حتى الأعمال التي توصف بأنها تقليدية لا يعيبها ذلك فالقصائد العمودية الرنانة خلدت من الجاهلية حتى اليوم ولم تمت رغم تقليديتها، فمثلا قول عمرو بن كلثوم (ألا لا يجلهن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا) لا يوجد ما أهو اكثر تقليدية ومباشرة من هذا البيت ومع ذلك ما زال هو ذاكرة العربية ويردده العرب ليل نهار لسبب هام هو صدق تجربة عمرو تلك اللحظة التي جعلت من هذا البيت نابضا حتى اليوم، ما ذكرته أنت عن خط سرد الحكاية فاتك أنه جاءت تحقيقات مع السجان خرج من خلالها الكثير من الملامح الإنسانية الأنانية التي تتسم بها بعض السلطات والمسؤوليات، كما جاءت صرخات فردية تشكو فقد حريتها وهي صرخات تنوب عن صرخات (شعوب) الأصل في العمل الأدبي (صدق التعبير وبراعة التصوير) اذا اجتمع هذان الأمران جاء العمل نابضاً حيوياً، الرواية حين تبنى قد يفلت خطك الفني الذي رسمته سلفاً لها فتجدها هي من تبني نفسها بنفسها، وهذا ما حدث معي في طيور العتمة فقد قادني برهانه ورفاقه إلى طريق قصصي أجبرني على أن أخوض معهم تلك المغامرة المرعبة، فكنت أشعر وكأن برهان يملي علي ما يحصل وأنا مستمر في تدوين ذلك فصلا فصلا.

  • هذه الصورة الوحشية والمرعبة التي نتخيلها عن السجون، هل زدت كروائي على أن كرستها، أليس هناك احتمال لعدم وجودها في الواقع أصلا؟.

-الروائي في النهاية كاتب ادب، عليه أن يقف موقف الشاهد فقط، والشاهد وظيفة لا يستهان فيها كونها تسجيلاً لواقع وحقيقة يكرهها الجميع، أما عن عدم وجودها في الواقع أصلا فالسجون لا يمكن أن تكون مدينة ترفيهية أو حديقة غناء، إنها مكان مختصر لتمني الموت، السجون مهما كانت مساحاتها أو أشكالها هي مكان لتفريخ الوحشية بكل وسائلها، هناك ما هو أبشع مما هو في الواقع المسموع فكيف بما هو مشاهد داخلها، لو دققنا في السجون الشهيرة عالميا وعربيا سيولد لدينا أكثر من يقين أنها أماكن لهدر كرامة الآدمي على أكثر الطرق ألما ووحشية.

  • تغييب المكان في الرواية هل كان حيلة فنية سهلت على الروائي تخيل ما لا يمت للواقع بصلة؟ ما المقصود من إخفاء المكان؟.

-المكان في الرواية ليس حكرا على تسمية بعينها كأن نقول البلد الفلانية، المكان هنا هو (السجن) المساحة السوداء التي يتحرك فيها السجناء (الشخصيات) والمكان ركن أساسي من أركان الفن القصصي، أنا لم أخفِ المكان بل أسميته باسمه (السجن) أما أين يقع هذا السجن فهذا يجعلنا نتحول من كتابة الأدب إلى كتابة السيرة أو الواقعة السياسية، هنا يفقد الأدب ما قدم لأجله، وإن كان هنا من يرى أن تسمية الأماكن بحقيقتها جاذب إلا أنني أدرج طيور العتمة تحت مسمى (عولمة النص)، أيضا لا يوجد تخيل إلا وللواقع طرف فيه، السجون وما يجري فيها ليست بعيدة عن حقيقة واقعية مبكية نشاهدها ونسمع عنها في قنوات ومصادر اعلامية لا تحصى.

  • يتذكر الراوي بين فترة وأخرى محبوبته "كاتلين" لماذا؟. ألم يكن لديه ما يتذكره غيرها أمه مثلا أو أبوه أو طفولته، أو أي شيء آخر قد يساعد على كشف شخصيته أو هويته؟ ما المقصود من تذكر "كاتلين"؟.

-السجناء والجناة والمذنبون غالبًا هم أعداء مجتمعاتهم وأسرهم، لذا نادرا ما يتذكرون أمهاتهم أو أحد أفراد أسرهم في تلك الظلمات، فتجدهم لا يتعلقون بشيء من هذه المجتمعات عدا امرأة عشقوها ووجدوا فيها حقيقة حرياتهم وسيل نزواتهم، والمقصود من تذكر كاتلين، هو كيف أن البطل يقارن عذاب السجن بعذاب فراق معشوقته (كاتلين) حيث استوى العذابان في شكل واحد، وحشية السجن مع وحشية الفراق، وألم السياط مع ألم الشوق، بقي البطل في مقارنة لا تنتهي مع العذابين طيلة الليالي المظلمة تحت السقوف السوداء.

  • على الرغم من وحشية المشاهد وقسوتها إلا أن الراوي يصف دخول النهار مثلا أو الليل بوصف شاعري؛ ألا يعد هذا تناقضا؟.

  • الشعر هو ابن كل الظروف النفسية والإنسانية، فهو يحضر في الحرب والحب والغضب والصلح واللقاء والبكاء، لا توجد بيئة ترفض الشعر إطلاقاً، كل فن يمكن أن نبعده لأسباب مكانية أو غيرها عدا الشعر فهو وليد كل الأماكن، لا يمكن لأي نص نثري فيه روح الأدب سواء قصة أو رواية أو مسرحية إلا وقد احتمل الحد الأدنى من الشعر، الشعر هو صلب الأدب أجمع، فلا يوجد نص أدبي دون الشعر أقلها في لغته وطريقة وصفه، ناهيك أن أجمل وأروع الروايات هي التي كتبها شعراء، فمثلا: فيكتور هيجو صاحب رواية البؤساء شاعر وله دواوين، شكسبير صاحب رواية البندقية شاعر وله دواوين، وجبران خليل جبران صاحب رواية الأجنحة المتكسرة شاعر وله دواوين، وغازي القصيبي صاحب رواية شقة الحرية شاعر وله دواوين، وابراهيم نصر الله صاحب رواية زمن الخيول البيضاء شاعر وله دواوين، وآخرون.

  • لماذا يغفل الروائي المحلي عن تقديم معرفة مثلا للقارئ من خلال روايته أو يوحي له بأنه اجتهد في البحث عن مادتها؟ هل هذا ناتج عن قلة الوعي بأهمية هذا الجانب لدى الروائي المحلي؟ أم أننا اعتدنا على التوجه لعاطفة المتلقي دائما؟.

  • الاجتهاد اصل نجاح كل عمل بعد توفيق الله، وهو أمر مهم بلا شك، لكن ما نوعه؟، وما مدده؟ فليس من المقنع تحويل مسار الفن إلى مسار علمي والعكس، مشكلتنا في عالمنا العربي نعامل كتاب الأدب على أنه كتاب علمي، الأدب يقدم معرفة انسانية موجودة بشكل مبعثر في واقعنا، فالأدب يعرفك بعالم السجون، ويعرفك بعالم العشاق، ويعرفك بعالم الجياع، ويعرفك بعالم السلطة الفاسدة، ويعرفك بشارع البشر الطويل المليء بتفاصيل لا تصلح أن تكون إلا عبر النص الأدبي، الأدب هو الإنسان في حالة غناء وتأمل أما العلم فهو الإنسان في حالة انتاج ومعرفة صميمها الواقع منزوعة تماما عن المشاعر والعواطف والتأمل البشري اللذيذ، حتى القصائد التي نظمت لتوصل لنا علم النحو او علوم المتون العلمية لا تسمى أدبا، هي نظم تعليمي نصيبها من الأدب الإيقاع والوزن الموسيقي فقط، نحن نتعامل مع الشعر أو الرواية أو أي جنس أدبي ليس على أنه (علم) بل على أنه (فن) والفنون في أصلها هي أصوات عواطفنا ومشاعرنا وفكرنا وإنسانيتها، وكما هو مشهور في دولة الأدب: (الأدب هو الإنسان) حتى الأعمال الأدبية التي قدمت مادة علمية لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر رئيسي للمعلومة التي أوردتها مهما كان علو قدم كاتبها، لسبب بسيط هو أن المصدر: فني وليس علميا، قد تصدق هذه المعلومات ولكن ليس على كل حال، ناهيك أنه في حالة تعمق الكاتب في تحليل العلم في سياق كتابة أدبية ستحول فورا إلى طريق آخر غير طريق الأدب فيستحيل كتابه إلى بحث وليس نصا أدبياً سمته الحقيقية: جوارح الإنسان وعقله المسافر بأجنحة المشاعر.

  • في صفحة "85" من الرواية حين عاد المشهد الأول من جديد كان هناك فرصة لتغيير سير الحكاية، بل كان هناك أكثر من فرصة من خلال الذكريات أو غيرها لكشف المزيد عن الشخصيات وخلفياتهم ولكنك أهملتها ومضيت على نفس المنوال لماذا؟.

  • في يقيني أنني لم أهمل شيئاً قدر المستطاع، مسنداً ذلك لتعبي الكبير في كتابة العمل، ولا أزكي نفسي وقلمي عن الزلل والنسيان والسهو، قد يظن القارئ أنها فرصة لكشف المزيد لأنها فرصة مكررة وستقول نفس ما حدث قبل هذا، بل ستكون ذكريات تعيد كتابة ما واجهوه تباعاً، هنا لا يروق لي كمبدع، ولا يتكيف مع النص كأدب يجب أن يهذب ويشذب من كل ما يثقله ويحشوه بما لا يكشف كشفاً إضافياً. ثم المضي لم يكن لمجرد المضي، بل هو استكمال لما حدث مع بقية الشخصيات فبقي من لم نعرف نهايتهم وكيف كانت، وبما هو متصل بهم ظرفياً وزمنياً وقضائياً ونفسياً، كلها أشياء تنتظر أن نأخذ بها حتى نصل لنهاية العمل، الشكل الهندسي لكل عمل أدبي قد يتغير فجأة لكنه يتغير لصالح الحركة القصصية، أنا أحيانا كقارئ أقترح لو فعل الكاتب كذا لكنا أفضل، لكني في الوقت ذاته مقتنع أن الكاتب خصوصا المجتهد مؤكد أنه طرح أمامه كل الخيارات الإبداعية فاختار احسنها لأنه مبدع الفن وصاحب الاحساس، وما نحن إلا قراء نقترح لا أكثر.

*هناك بعض الأحداث الغريبة التي قد لا تحدث في الواقع مثل سماع السجناء لصياح الديكة وخروجهم للمقبرة وحيازة "حيان" لأداة معدنية وغيرها، كيف يحدث هذا؟ لماذا لم تبرره من خلال الرواية؟.

  • صياح الديكة ليس بالمستوى العالي طبعا، هو أقل مستوى يصل للسمع لشدة العازل الجداري، صياح الديك أو غيره يصل بأقل درجة لسمعه لأن الصمت الشديد في المكان افسح للصياح الفرصة، ناهيك أنه حتى في الأماكن المغلقة يصل الصوت الخارجي لكن بدرجة جدا متدنية، أما الخروج للمقبرة فهذا عامل رئيسي في أغلب السجون لأنه بند من بنود التعذيب النفسي، والتنكيل بالشعور الإنساني، وقد ورد ذلك في أخبار عدة، أما مسألة التبرير في الرواية، فهذا ما لا يستقيم مع نهج الأدب كفن، الأدب لا يبرر ولا يعلل ولا يشرح ولا يفسر، هو يعرض ويشهد على الحوادث والتفاصيل والشخصيات، مهمة الأدب هي التكوين الكبير القادم من المخيلة البشرية، فبمجرد أن يبدأ الكاتب بالتبرير لأحداث القصة أو تعليلها يكون قد انحرف بمسار الأدب إلى مسار المنظر والمحلل الاجتماعي، والمشكلة أن هذه ظاهرة ما زالت تؤثر على الكتابة المعاصرة لذا تظل الكتابة الأدبية واقفة موقف الشاهد فقط.

رواية لماجد سليمان