جميل أن نسمع عن تحرير الأسواق وفتح نسب التملك للمستثمر الأجنبي الى 100%. لكن الأجمل أن نعرف ماذا قدم المستثمر الأجنبي ومساهمته في النمو الاقتصادي والتنموي للبلاد منذ انضمام المملكة الى منظمة التجارة العالمية. بمعنى آخر ما هي المشروعات والأسواق والمساهمة التي قدمها المستثمر الأجنبي خلال الخمس عشرة سنة الماضية؟

نحن نعرف أن المستثمر الأجنبي في التجزئة يحظى بنسبة تملك تصل الى 75%، وبدون شرط إقامة مصانع، ورغم ذلك لم نسمع الا بتجارب تعد على أصابع يد واحدة، ولا نعرف مدى نجاحها من عدمه بسبب غياب تقييم الاستثمار الأجنبي في المملكة. ورغم أنه يحق للشركات الأم دخول المملكة بدون وكيل، فإننا أيضا لم نسمع أن شركة مصنعة للسيارات تخلت عن أي من وكلائها، وفي الحالات التي انهت بعض الشركات الوكالة مع ممثليها في المملكة، فإنها سرعان ما تبحث عن وكيل بديل في دلالة على نجاح فكرة الوكيل وصعوبة اختراق السوق المحلية منفرداً.

إننا ننتظر صدور نظام المستثمر الأجنبي والذي أعلن أنه سيصدر في 2016 لنرى ما هي الحوافز والمميزات التي ستعطى للمستثمر الأجنبي في أسواق التجزئة والتي ستجعله يهرول للاستثمار في المملكة ويفضلها على دول أخرى تملك العمالة الماهرة والمدربة، وتملك رؤوس الأموال اللازمة، وتملك البنية التحتية الجاهزة، وتملك الأسواق الضخمة. وحتى يحين صدور تلك الحوافز، نحن بحاجة ماسة الآن من أي وقت مضى إلى معرفة تقييم شامل لتجربة الاستثمارات الأجنبية الحالية ومدى مساهمتها في التوظيف والنمو الاقتصادي وخفض الأسعار حتى يصبح لدينا معلومات كاملة والتي من خلالها نقيّم تجربة الاستثمار الأجنبي.

لقد احتفلنا كثيراً بفتح الاستثمار للأجانب في سوق الأسهم المحلية في بداية العام الحالي، وارتفعت سوقنا طرباً لقدومهم، لكننا اصبنا بخيبة أمل لأننا حتى الآن لم نسمع بقدوم هذا المستثمر ولم نسمع بأموال ضخمة دخلت السوق أو غيرت من أدائه أو تركيبته. وهذا من الدروس التي يجب أن نتعلمها في أن التفاؤل المفرط والبشارات التي يكتبها بعض الكتاب أو يصورها الإعلام تحتاج الى أصوات حكومية رسمية وأصوات من السوق نفسه (أعني صوت التاجر والمستثمر السعودي) لعقلنة دخول المستثمرين الأجانب وطبيعة التعاون والشراكة معهم.

وعلينا أيضاً أن نضع أنفسنا في مكان المستثمر الأجنبي، ونتساءل هل سيأتي المستثمر الأجنبي بشروطنا حتى يتملك 100%. بمعنى هل يقبل بإقامة مصانع، ويوظف 75% من السعوديين، ويجلب معه التمويل، وينقل التقنية، حتى يمكنه البيع في سوقنا بأسعار تنافسية؟

هل لديه الرغبة في تقبل المخاطر السوقية والتنظيمية والتشريعية منفرداً؟ وهل لديه الخبرة الكافية في اختراق الاسواق لدينا، ومعرفة أنظمة سوق العمل، وسوق التوظيف، وسوق التسويق والإعلان، وأسواق التمويل والإعانات؟

هل بإمكانه التصدير وإعادة التصدير والتوزيع في بيئة لوجستية مساعدة؟ هل لدى المملكة قصص نجاح في انشاء المناطق الحرة، وهل هناك اتفاقيات مناطق حرة مع الاسواق الأوروبية والآسيوية والعربية؟

هذه الأسئلة هي أهم التحديات التي ستجابه المستثمر الأجنبي، وتجعله يطرح السؤال مرة أخرى، ومعه في هذه الحالة، شريك محلي. بمعنى آخر سيتساءل هل من الأفضل أن أتحمل هذه المخاطر وحيداً أم استمر مع الشريك المحلي؟ هل أبقي على الشريك المحلي الحالي لأنه يخفض التكاليف ويتحمل مخاطر الاسواق ومخاطر تغيير الأنظمة والمخاطر المستقبلية لبلد يعتمد على مورد واحد هو النفط؟

لماذا علي جلب التقنية والاستثمارات للمملكة اذا لم تكن هناك ميزة نسبية تفضلها عن البلدان الأخرى؟

باختصار هذه الاسئلة تطرح التحديات التي تواجه المستثمر الأجنبي؛ إذ على الحكومة السعودية تحسين البيئة التنظيمية والتشريعية للأسواق داخلياً أولأً، وتحسين بيئة العمل، وتجهيز الموانئ والمطارات، وتجهيز مناطق تجارة حرة، وتجهيز خدمات التأشيرات والعبور، وغيرها من الخدمات اللوجستية التي تحتاجها بيئة الأعمال. عدا ذلك فإننا نستطيع أن نجلب الخيول الى الماء، لكننا لن نستطيع أن نرويها.