تعج مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من الإساءات، حيث انتشرت هذه الظاهرة بشكل كبير، ولم تستثن هذه الاساءات أي شخص خصوصا المشاهير، حتى وصل ببعض المسيئين إلى أن ينزوي تحت معرفات وهمية، أو أن يعتزل المشاركة ويكتفي بالمتابعة الصامته، خوفاً من أن يطالهُ ما يطال غيره، فيما قام آخرون وهم قليلون بانتهاج منهج خاص للرد على المسيئين، فيعكفون على ما يعرف بالعامية "رد الصاع صاعين" للذود عن أنفسهم.

ولعل من أبرز أسباب انتشار هذه الظاهرة هو عدم تنمية ثقافة التقاضي، لمعاقبة المسيء بالطرائق النظامية، رغم أن هناك عدد من الأنظمة التي كفلت هذا الحق.

تعزيز ثقافة التقاضي وتفعيل نظام جرائم المعلوماتية الحل الوحيد لإيقاف المسيئين ودعاة حرية الرأي

بيد أن هناك إشكال في الاختصاص القضائي لقضايا الجرائم المعلوماتية بما فيها الإساءات بمواقع التواصل الاجتماعي، فالمحكمة الجزائية تستقبل قضايا، ولجنة النظر في مخالفات النشر الإلكتروني والسمعي والبصري أيضاً تستقبل، ويطالب بعض المهتمين توحيد جهة الاختصاص لتلافي هذه الازدواجية.

مقاضاة المسيئين

بدايةً قال الشيخ عادل الكلباني إن مواقع التواصل الاجتماعي لم تزد على أن أخرجت ما كان مخبئاً، فمجتمعنا وجد وسيلة لنشر ثقافة الاحتكار، والتعصب للرأي، والاعتقاد أنه هو وحده مقياس الخير والشر، والتوسط والتطرف أو التفريط، وعلى هذا فإنه لا يحتمل رأياً يخالف رأيه ولو في اختيار الرأي الآخر للون أو جهاز، أو فكرة، وكثيراً ما يبدأ الحوار ببيان الاحترام للرأي، ثم ما يلبث أن ينتهي بخصام وقطيعة، مع ما قد يتبع ذلك من تجهيل وتبديع وتضليل واتهام للنوايا، وغير ذلك.

وأوضح الشيخ الكلباني أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في إظهار هذه الثقافة إلى سطح المعاينة، بعد أن كانت حبيسة المجالس والاستراحات والنزهات، وأحيانا في المكاتب، فأصبح العالم كله يسمع ذلك الهمس بوضوح، وعلت أصوات السباب والشتيمة التي كانت محبوسة بين جدران، كان كثيرون يزعمون أن لها آذاناً، فلما ذهب الخوف، سلقوا مخالفيهم بألسنة حداد، أشحة على الخير، كما هو مشاهد ومسموع، ولا أظن أحداً ممن يدخل تلك المواقع، تويتر خاصة، والمشاهير منهم قد سلم من ذلك، بل كلهم ناله من جبال الشتم والمسبات ما ناله، حتى قال لي أحد هؤلاء بعد حوار معه، والله لقد جاءني شتم يكفيني عشر سنوات مقبلة.

وأضاف أن من سلبيات هذه المواقع هو نشر ثقافة الفضيحة، وأنهت فضيلة الستر، حتى صار المرء من هؤلاء يستبشر بكل زلة، ويفرح بكل خطيئة، لينشرها وينال قصب السبق في ذلك.

وقال وأنا واحد ممن كان له نصيب الأسد من تلك الشتائم والاتهامات، ولله الحمد، ولكنها زادتني إصرارا على تطهير الألسنة، واتخذت مبدأ رد الصاع صاعين على المسيء، والظان نفسه أنه إذ استتر خلف اسم مستعار فلا تثريب عليه، ولهذا كثيرا ما أواجه ذلك بالرد القاسي، تأديباً، وإنكاراً، وبياناً أن المؤمن ينتصر إذا ظلم، ويعاقب المسيء ليأخذ الحق منه، ولو ترك من يسيء الأدب بلا عقوبة لتمادى، وكان إغفال الناس له وقوداً لتطاول لا ينتهي أوده، ولهذا فإني أؤيد التقاضي، ونشر ثقافة المحاكمة للمسيء حتى نستطيع اجتثاث هذه الجراثيم بمطهر العقوبة، إذ لم ينفع الوعظ.

الردود السلبية

من جانبه أكد الممثل والمقدم هشام الهويش أن موضوع ومحتوى التغريدة أو المشاركة المطروحة في أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي سبب رئيس في أيجابية الردود أو سلبيتها، فإذا كان الموضوع المطروح مثيراً ويعطي المجال للردود السلبية بكل تأكيد ستأتي ردود سلبية تحوي بعض الإساءات، كما أن تقويم الناس لمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي بالمشاركات المكتوبة مختلف عن تقويمهم أثناء المشاركة بالصوت والصورة، بمعني قد تكون هناك تغريدة مكتوبة يُقصد بها ممازحة أحد على موضوع معين في الكتابة قد تأخذ مأخذ الجدية لعدم إمكانية وضع تعابير الوجه والإيماءات المعبرة، أو حتى نبرة الصوت التي توحي بذلك، بينما في أثناء المشاركة بالصوت والصورة ستصل الفكرة أو المشاركة بشكلها الصحيح.

ويرى أن النسبة الأعلى من الردود السلبية تكون من قبل المراهقين وصغار السن، وتخرج نادراً من الرجل الناضج؛ لأن طريقة تفكير بعض الشباب في الوقت الحالي مختلفة عمن هم في أعمارهم قبل عقود من الزمن، وهذا انعكس على جميع المجالات وليس فقط مواقع التواصل الاجتماعي، ولأن النسبة الأعلى من مشاركي مواقع التواصل الاجتماعي من الشباب ستكون الردود المباشرة والقاسية أكثر.

وقال إن أكثر متابعيه الآن في برنامج "سناب شات" بسبب أن الناس يكونون في هذا البرنامج طبيعيين وعلى عفويتهم، فإن لم تكن عفوياً في "السناب شات" لن تنجح، موضحاً أنه في فترة مضت أضطر لتقليل مشاركاته في "تويتر" بسبب بعض الإساءات التي طالته في هذا الموقع.

التحريض والاخلال بالأمن

بدوره قال المستشار القانوني الدكتور محمد المحمود إن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة تقدّم مزيداً من الحريّة في التعبير عن الرأي، وتسهّل طرائق النصيحة والنقد، إلا أننا نجد أن بعضهم أساء استخدام تلك الحريات والحقوق، وتجاوز الحد الفاصل بين حرية الرأي وبين الإساءة إلى مقام الله عز وجل، أو الإساءة إلى المصطفى الحبيب صلى الله وعليه وسلم، أو الإساءة إلى شعائر الدين القيّمة، وتشكيك الناس في معتقدهم وديانتهم.

وبين أن بعضهم استغلها أيضاً في الإساءة إلى الأفراد وانتهاك حرماتهم، أو التحريض على الإخلال بالأمن، وانتهاك سيادة الدول، والإساءة إلى المجتمعات والشعوب، ظناً منهم أنهم سيحققون أهدافهم وهم بعيدون عن المساءلة الجنائية عما يكتبون أو ينشرون في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، واعتقاداً منهم بأن ما يمارسونه هو من قبيل حرية التعبير عن الرأي التي كفلتها الشريعة الإسلامية والأنظمة لكل فردٍ في المجتمع، أو لاعتقادهم أن هذا من قبيل حقهم في النقد أو النصيحة.

وذكر الدكتور المحمود بأنه قد سُنّت بعض الأنظمة التعزيرية في المملكة لضبط هذه الأمور، والمعاقبة على التجاوزات؛ فصدر نظام مكافحة جرائم المعلوماتية الذي ضبط معايير النشر الإلكتروني، وحدد جرائمه، ثم بعد ذلك صدرت الموافقة على إضافة هذا النشاط لنظام المطبوعات والنشر وصدرت اللائحة التنفيذية لنشاط النشر الإلكتروني ثم صدر نظام جرائم الإرهاب وتمويله، وقد نص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في مادته السابعة على "أن يُعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات، وبغرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص دخل دخولاً غير مشروع إلى موقع إلكتروني، أو نظام معلوماتي مباشرة، أو عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي للحصول على بيانات تمسّ الأمن الداخلي أو الخارجي للدولة، أو اقتصادها الوطني".

كما أن التصوير اليوم من دون ضوابط وقيود وهو أمر جعل كثيراً من الناس يقع تحت طائلة المسؤولية الجنائية، والأنظمة في المملكة وضعت ضوابط وقيوداً على التصوير، فمثلاً تصوير تنفيذ الأحكام الشرعية من قصاص أو جلد أو خلافه أمر محظور وممنوع نظاماً، إذ نصت المادة التاسعة والخمسون بعد المئة من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية ونصها على أنه: "يحظر على غير الجهات المختصة التصوير أثناء تنفيذ الأحكام"، وهذا نص نظامي صريح يمنع أي فرد من تصوير تنفيذ الأحكام ما لم يكن مخوّلاً بذلك، ومخالفة هذا النص موجبة للعقوبة التعزيرية، كما ان نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الصادر عام 1428ه نص على منع التشهير بالآخرين، وكثير من المصورين يقوم بالتشهير - وربما بغير قصد - والتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أشد شناعة من أيّ تشهير آخر، لسرعة الانتشار، وللتفاعل المباشر من المستخدمين، وخصوصاً عندما يكون التشهير في الهاشتاق (Hashtag) الذي يطلع عليه جميع المستخدمين.

ولهذا نص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في مادته الثالثة على أن "يُعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص ارتكب أيّاً من الجرائم المعلوماتية الآتية: التشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم، عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة".

وأوضح الدكتور المحمود أن هناك أشكالاً في الاختصاص القضائي في الجرائم المعلوماتية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فالمحكمة الجزائية تستقبل قضايا ولجنة النظر في مخالفات النشر الإلكتروني والسمعي والبصري أيضاً تستقبل، ويرى أنه لابد من توحيد جهة الاختصاص بيد القضاء فيما يشكّل بطبعه جريمة، أما المخالفات ذات الطابع الإعلامي والثقافي فتكون اللجان المشكلة في وزارة الثقافة والإعلام هي الجهة المختصة بالنظر بها.

وبين بأن هناك جرائم مستثناة ولا يمكن أن يُحتج بكون هذه الجريمة إعلامية لارتكابها عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، فتنظرها اللجنة الإعلامية المشكّلة بموجب المادة السابعة والثلاثين من نظام المطبوعات والنشر، ذلك أن مثل هذه الجرائم مما يختص بنظرها القضاء لكونها حدّية، ومعاقبٌ عليها بالإتلاف، ولذلك نص الأمر الملكي رقم أ/93 وتاريخ 25/5/1432ه القاضي بتعديل نظام المطبوعات والنشر بأنه: "إذا كانت المخالفة تمثل إساءة إلى الدين الإسلامي، أو المساس بمصالح الدولة العليا أو بعقوبات يختص بنظرها القضاء، فعلى اللجنة إحالتها - بقرار مسبّب - إلى الوزير لرفعها إلى الملك للنظر في اتخاذ الإجراءات النظامية لإقامة الدعوى أمام المحكمة المختصة، أو اتخاذ ما يراه محققاً للمصلحة العامة".

جرائم المعلوماتية

بدوره أوضح خبير الإعلام الجديد خالد العمر أن بداية الإساءات عبر مواقع الانترنت بشكل عام ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص ارتبط بظهور الانترنت الفعلي وذلك في الثمانينات الميلادية، وكان ذلك في نطاق ضيق بطبيعة الحال؛ لأن ثورة الانترنت لم تكن حينها إلا في بداياتها، ومع تطور الخدمات الإلكترونية، وتوسع الاستخدام الفردي لها حول العالم بدأت هذه الاساءات وما تمثله لكونها من الجرائم المعلوماتية تشكل الجانب السيئ من عالم الانترنت الكبير، ولعل أبرز سمات هذه الاساءات والجرائم المعلوماتية أنها عابرة للحدود، فمثلاً أنت في مكان وتُرتكب ضدك جريمة معلوماتية والمسيء في مكان آخر، وهذا يسبب صعوبة التوصل إليه.

وأضاف أن شبكات التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي تعد المسرح الأكبر عالميا لجرائم المعلومات وما تتضمنه من اساءات بأنواعها المتعددة، لكثرة المستخدمين لها ولغياب ثقافة أمن المعلومات عن غالبيتهم، ومن المحتمل جدا أن يكون أي مشارك في هذه المواقع ضحية لجريمة معلوماتية أو في طريقه لذلك بدءا من محادثة بسيطة تحولت لعراك لفظي انتهى بقذف أو تشهير، لإمكانية وقوعك في عملية احتيال مالي.

وقال العمر إننا نشهد الآن طفرة كبيرة جداً في طرائق وكيفيات التواصل بين أفراد المجتمع سواء كانت مواقع متخصصة مثل تويتر وفيس بوك أو برامج وتطبيقات مصممة لذلك مثل الواتس أب وغيره والنسبة الأكبر من الجرائم المعلوماتية التي يمكن أن تتم عبرها هي جرائم الإساءات بأنواعها المختلفة، حيث تكثر التعليقات المسيئة خصوصاً في حق المشاهير بهذه المواقع، لسهولة الوصول لهم ولإتاحة بعض هذه المواقع إرسال التعليقات لصفحاتهم مباشرة.

حرية التعبير

وأضاف أنه غالبا لن يمكن تفادي مثل هذه الإساءات من قبل المسيئين، فهو عالم افتراضي شبيه بعالمنا الواقعي ولكن يمكن أن يظهر فيه الشخص ما يخفيه في عالمه الحقيقي، ستواجه كثير وكثير من الشخصيات المتنوعة بطباعها وأفكارها، وحتى أخلاقياتها، الطريف أحيانا أنك قد تصادف حساب لصديق أو قريب لك وتتفاجأ بما تقرأ، سواء كانت مثالية لا تعرفها عنه، أو طباعاً تستغربها منه؛ لأنه قد يكون ظهر بشخصيته الحقيقية أو خلق لذاته شخصية أخرى لا يستطيع التعامل بها في عالمه الواقعي، وبرأيي الخاص أن صلب المشكلة هو الخلط الحاصل بين حرية التعبير عن آرائك الشخصية، وبين الاعتداء المعنوي والإساءة اللفظية على الآخرين، عندما يستطيع الشخص تمييز ذلك والاقتناع والعمل به سيكون بالتأكيد عضواً فاعلاً في هذه الشبكات ومجتمعها الافتراضي.

ويرى العمر أن التشريعات لمكافحة هذه الجرائم لم تواكب التطور السريع للتقنية وتحتاج لكثير حتى تصبح سبباً للحد منها، والأهم هو تعزيز ثقافة التقاضي لدى الفرد، وتكثيف التوعية عن أضرار وتبعات هذه الجرائم لتجنب - ليس فقط - وقوع المجني عليه ضحية لها، بل حتى استباق الطرف الآخر بالجريمة وتبصيره حتى لا يصبح الجاني مستقبلاً.


يجب توحيد الاختصاص في النظر في إساءات مواقع التواصل

الشيخ عادل الكلباني

د. محمد المحمود

خالد العمر

هشام الهويش