لم يكن "الصوت الخليجي" وليد صدفة أو مرحلة فن دارجه مرّت على الناس ونسوها كحال بعض حضارة الفنون المتنقلة, شَهِدَ عبدالجليل الطباطبائي - 1853م – أن هذا الفن مرتبط بالموصليين إبراهيم وإسحق اللذين أقاما غناء الصوت في تقريب ان هذه النكهة الغنائية لا تختلف عن ما قدموه "عود وإيقاع محمول" هذه كانت لبسة الغناء عند العباسية.

حالياً قد اختلفت المعادلة ونسيها الناس بفضل تعودهم على سماع الأغنية الرومانسية والابتعاد عن شعبية الصوت الخليجي. لكن العماري قال في مجلداته عن ابن فارس إن نص "قريب الفرج يا دافع الهم والعسر" هو نص يماني حميني, تعرف عليها ابن فارس بعد احتكاكه بعبدالرحيم العسيري في العقد الثاني من القرن العشرين، لكن عبدالله الفرج - رحمه الله -

النصوص «الحمينية» انفردت في الأسبقية مع الصوت الخليجي

استلهم فنه من بعض المخطوطات في مكاتب حيدر آباد بعد إقامته هناك عشرات السنين في الهند، قبل أن ينتقل إلى "دخينة - البصرة" التي تحتضن كنزاً من مخطوطات العباسيين, ويبدو أن الفرج استخرج مفهوم الصوت من بطون هذه الكتب العتيقة. بعض الناس رأوا أن أصل الصوت يعود لمنطقة الحجاز, ذلك في الاعتماد على بروز ظاهرة الغناء لدى العرب في الحجاز واستمرارها لفترة من الزمن قبل أن تنتقل إلى الدولة العباسية، هناك فن الصوت "الأصل او التشبيه" في الغناء بالقرنين الماضيين، وقد يكون استنتاجاً بأن ما كان يستمع إليه الخلفاء العباسيون من أغانٍ كانت من نمط الصوت، في إشارة إلى انتقال فن الصوت على يد زرياب إلى الأندلس، قبل أن يزاحمه فن الموشح في تباين لنتيجة الخلط بين تسمية الصوت كما يعرف حالياً، واستخدام كلمة الصوت في مؤلفات السابقين عن الموشح.


حمد خليفة في البحرين

هناك في البحرين والكويت أرض خصبة لهذا الفن -العتيق- وفي المنطقة الخليجية عموماً وإن اختلفت هذه الجذورة من بيئة إلى أخرى، التجار اليمانيون على الضفة الشرقية للخليج العربي والهند اهتموا بمثل هذا الفن وجلبوه عن طريق التجار الخليجيين ومن تم تطويره.

عبدالله بن محمد بن فرج بن عبدالرحمن بن فرج سليمان بن طوق الدوسري, نجدي مولود بالكويت "1836-1901م" حاول ان يفكك خزينة الأصبهاني في أغانيه وتدوينها برموز عصره وإعادة مجدها بعد أن بُني الصوت من اليمانيين, الفرج المُلهم وقع تحت وطأة التاريخ في الوثائق حيث سجل في مواضع قيل في وصفها "هندية" ولم تتجاوز الثلاثة "ملك الغرام عنانيه" و"في هوى بدري وزيني" ولحنها الفرج "قل لمن مل هوانا"، لم يكن يعرف أنه سيخلد في التاريخ سيذكر بعد قرن ونيف, الحالات النادرة من أغاني يحيى عمر اليافعي "1825م" ورددت ضمن الغناء الفردي في الخليج كانت مثل الزيزفونة تشم رائحة عبقها أينما كنت.

قبل قيام إسرائيل استلهم الموسيقي عزرا في كتابه الذي نشر في إسرائيل، وحمَل بعضاً من التفاصيل والنشاط الموسيقي له ولشقيقه في الكويت والعراق قبل قيام إسرائيل، ذكر: "أن بعض الأصوات يمكن أن تسمى عربية وهي على إيقاع رباعي وأصواتاً أخرى تسمى شامية أو يمانية وهي على إيقاع سداسي في ما يكتب على الاسطوانات, وهنا قد يكون تشوش على معرفة الأصل والمنبع".

يعتبرونه في المنطقة الشرقية فناً حقيقياً ذا مكانة.! يتصدر مجالسهم ويعرف ب"الدور", ذكر محمد الدويك في كتاب الاغنية الشعبية: "أن اول من غنى الصوت في المنطقة الشرقية هو "ابراهيم الدوسري" من دارين وبعده سعد الفرج", وبين عبدالله آل عبدالمحسن في كتابه من تراث جزيرة تاروت: "انه اول مكان غنى به هذا النوع من الفن".

وبعد أن ظهرت ثورة الصوت الخليجي في العصر الحديث مع المطرب محمد زويد الذي تعلم على محمد بن فارس في أداء فن الصوت البحريني الذي كان رائداً فيه. وبعد انتشار أسطوانات القار والاذاعات والتلفزيونات الخليجية، سجل زويد اولى أغانيه "1929م" في بغداد "سلام يا زين" وسجل معها 12 أغنية أخرى، يقول -غفر الله له-: "إن تردده على بغداد ومكوثه بها لمدة طويلة ساعده على الاطلاع على الأغاني والمقامات العراقية، "1936م" سجل في بغداد أربعين أغنية والهند ايضاً، بعد وفاة معلمه محمد بن فارس"1947م" وضاحي بن الوليد"1941م" وافتتاح إذاعة البحرين "1955م" التي ساعدت على انتشار أغاني الصوت بشكل مذهل، خاصة في الستينات من القرن الماضي كانت قمة النضج للصوت الخليجي بعد نشره، بينما في الجانب الآخر كونت الكويت بعد استقلالها "1961م" منبراً هاماً ساعد في الانتشار واستغلالية عوض دوخي -غفر الله له - الذي قيل إن ما كان يقدمه متأصل من الموصليين مرتبطاً معهم في استمرارية الصوت الخليجي ونكهته.

من العصر العباسي كان للصوت ونغمه وقربه والتماسك في غناء القصائد، كان منتشراً ويردد على ألسن الفنانين والناس إلى ما قبل عقدين مضت, يبدو أننا نفتقد لهذه القيمة التاريخية ولا نستطيع سماعه الا في حالات نادرة في إشارة إلى الابتعاد عن تكريس الذائقة والأصالة الفنية.


محمد بن فارس «1931»

ضاحي بن الوليد «1935» في حلب