يبحر الكاتب نسيم نقوالا طالب في كتابه "البجعة السوداء" في عالم التنبؤ والأحداث النادرة متجاوزاً التوقعات العادية، يرى طالب أن مصطلح البجعة السوداء يأتي من الافتراض الأوروبي في القرن 17 أن جميع البجع أبيض، وأنه كان رمزاً لشيء ما كان مستحيلاً أو لا يمكن أن يوجد، الأمر الذي نفاه اكتشاف بجعة سوداء في استراليا بعد ذلك.

فكرة الكتاب تتمثل في أننا كبشر نفشل في توقع ما سيحدث لنا مستقبلاً خصوصاً في الأحداث النادرة التي لا تستوعبها دراساتنا أو حتى إستراتيجياتنا، نفشل في التعامل مع الأحداث الطارئة أو الوقائع الغريبة والأحداث الجسام أو أننا نهمل طواعية أحداثاً تمر أمامنا مدعين أنها مجرد مشكلة لحظية أو خطأ ناتج عن قصور معين مستبعدين أن تكون هذه الأحداث "بجعاً أسود"، أو أن تمثل في يوم من الأيام ظاهرة.

على أرض الواقع، أضحت قضايا التحرش تطل علينا بوجهها القذر في أكثر من مناسبة رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المختصة لمكافحة هذه الظاهرة، تكرار الفعل أكثر يدعونا لأخذ الموضوع على محمل الجد بصورة أكبر فتكرار الشيء لا يمكن أن يحدث صدفة؛ فالصدفة لا تتكرر، والظروف التي تدفع البعض للقيام بعمل ما من المستحيل أن تتوفر مرة أخرى ليعيد نفس فعلته أكثر من مرة، كل تلك المعطيات تؤكد أننا أمام "بجعة سوداء" لا بد من وضع حد قوي لها منذ البداية.

حادثة التحرش بفتاتين في جدة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بالطبع؛ فالمتحرشون السابقون ما زالوا بلا عقاب، أما الجدد منهم فلا رقيب لهم، حل هذه المعضلة ليس صعباً أو مستحيلاً؛ ببساطة كل ما يتطلبه الأمر سن قانون للتحرش وفرضه على الجميع بدون تمييز وتطبيق عقوباته والتشهير بالأشخاص، هذا القانون من المستحيل تطبيقه أو سنه إذا لم تجلس الجهات المعنية جميعها عاجلاً على طاولة نقاش واحدة لإيجاد نص محكم لا يمكن التهرب منه، وبعد ذلك على الجهات التنفيذية أن تحرص على تطبيقه على المخالف كائناً من كان، فدروس الماضي علّمتنا كمجتمع أن التساهل مع القضايا في البدايات يحوّلها إلى مظاهر يصعب السيطرة عليها، فما زالت حادثة "نفق النهضة" حاضرة في أذهاننا رغم أنه مر عليها ما يقارب عشر سنوات، وعلى الرغم من القرارات الرادعة في تلك الحادثة التي كان من الممكن أن تكون أرضاً صلبة لقانون يفرض على الجميع إلا أن التساهل واعتبارها خطأً فردياً أجّل البت في الموضوع أكثر من مرة.. وغيرها من حوادث التحرش التي ظهرت تباعاً في أكثر من مجمع تجاري ومتنزه وعلى مستوى مدن المملكة..

بالعودة للمقطع المنتشر عبر وسائل التواصل في جدة نلاحظ أن صور الأشخاص واضحة لذا لن يكون من الصعب الوصول لهم والإمساك بهم وتطبيق عقوبات بحقهم، والأهم من ذلك التشهير بهم ليكونوا عبرة لمن يأتي بعدهم.. الحديث هنا يجب ألا يكون من زاوية واحدة، وأن يعتقد البعض أن المطالبة بالقانون وليد حدث واحد أو لتمرير فكرة التساهل والاختلاط كما يروّج البعض، والرد المنطقي على كل ذلك يكون عبر نظام واضح تحدد فيه المصطلحات بدقة ف"الاحتشام" واضح المعنى و"التحرش" كذلك، هذا بالإضافة أن يأخذ في عين الاعتبار تحرش الرجال بالنساء والعكس فيكون قانوناً شاملاً يحمي الطرفين وبالتالي يحمي المجتمع ككل.

هذا القانون، أصبح مطلباً مهماً وضرورة تفرضها المعطيات التي نعيش فيها والتي جعلتنا أمام مفترق طرق؛ إما أن نأخذ الأمر بجدية أكبر ونبدأ في التركيز على "التحرش ومشاكله"، أو نكمل طريقنا ضمن "البجع الأبيض"، ولا نختلف كثيراً عن غيرنا من دول العالم الثالث.