رحل عراب ومهندس السياسة السعودية الحديثة صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-، رحل هذا الرجل الفذ بعد أن أفنى جُل حياته وزهرة شبابه مجاهداً في تحمل أعباء ومسؤوليات السياسية والدبلوماسية السعودية، خدمةً لدينه ووطنه وعقيدته ومليكه وأمته العربية والإسلامية، بل وفي خدمة قضايا العدل والأمن والسلام في العالم، يجسد في ذلك توجه وسياسة المملكة التي كانت تقف دائماً من جميع القضايا الدولية موقف الحق والعدالة والإنصاف، وعلى مدار أربعة عقود منذ شغل منصب وزير الخارجية في عام 1975م بعد وفاة والده الملك فيصل بن عبدالعزيز-رحمه الله- وحتى منتصف هذا العام 2015م، حينما ترجّل من قمة هذه المسؤولية مرهقاً بدواعي الظروف الصحية التي عانى منها كثيراً في آخر أيام حياته، وبالرغم من ذلك وحتى اللحظات الأخيرة كان يحمل هموم وطنه وأمته، فلم تغب عن فكره وعقله حتى غيّبه الموت مخلداً وراءه سيرة عطرة حافلة بالعطاء والإنجاز والتفاني والإخلاص أمام واجبات المسؤولية، وتاركاً وراءه إرثاً من الفكر والمنهاج والتجارب العميقة لتبقى مسيرته العملية مرجعاً من أهم مراجع التعاطي مع القضايا السياسية والدبلوماسية وقت الأزمات وفي الحرب والسلم، والأكثر من ذلك أن الأمير سعود الفيصل اتفق على محبته واحترامه أصدقاؤه وخصومه، وشهدوا جميعاً بحنكته وحكمته وصبره، وأنه يمثل رمزًا للأمانة والمسؤولية والعمل الجاد، وأنه من خلال هذه الصفات المتميزة استطاع أن يفتح مع الجميع مسارات تعاون مثمرة على صعيد تنمية وتطوير العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة، مما يعبر عن مكانته كرجل دولة استطاع أن يمثل وطنه وأمته العربية والإسلامية خير تمثل في جميع المحافل والمناسبات العالمية، وأن يكون عميداً للدبلوماسة العربية.

المدرسة الأولى

تربى الأمير سعود الفيصل رجل الدبلوماسية السعودية "المجاهد" في كنف والده الملك فيصل بن عبدالعزيز-رحمهما الله- فكان الفيصل مدرسته الأولى وقدوته في التعاطي مع المواقف، نهل منه أهم مرتكزات السياسة والدبلوماسية، وأخذ منه الحنكة والحكمة والروية والصبر وحسن إدارة المواقف وإدارة الأهداف، وإلى جانب ذلك تعلم من والده كيف يقرأ الواقع بكل ألوانه وأطيافه، وكيف يضع الأمور في نصابها، لكن الملك فيصل -رحمه الله- لم يضع هذا الشبل أمام المسؤولية دون أن يعدّه الإعداد الجيد والمناسب لمواجهة المستقبل بإذن الله، فقد عمل على تأهيله بالعلم والمعرفة من خلال إلحاقه في واحدة من أرقى جامعات العالم لدارسة فنون الاقتصاد والذي يمثل أهم مقومات الحياة المتحضرة خاصة لتلك الدول التي تمتلك موارد ضخمة ومتنوعة، وبعد حصوله -رحمه الله- على شهادة البكالوريوس من جامعة "برنستون" في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأميركية عام 1964م، دفع به والده مباشرة إلى معترك حياة العمل بحالة من التدرج وبشكلٍ يتوازى مع إمكاناته المعرفية ليبدأ صقل موهبته في أول سُلم المسؤولية من خلال وظيفة مستشار اقتصادي في وزارة البترول والثروة المعدنية وعضواً في لجنة التنسيق العليا بالوزارة، ليصبح بعدها وبعد أن أخذ جرعات من المهارة مسؤولاً عن مكتب العلاقات البترولية في المؤسسة العامة للبترول والمعادن، ثم نائباً لمحافظ بترومين لشؤون التخطيط، ثم وكيلاً لوزارة البترول والثروة المعدنية في عام 1971م، ليجد نفسه في عام 1975م وجهاً لوجه أمام سُدة الدبلوماسية في بلادة حاملاً الراية ليكون بذلك خير خلفٍ لخيرِ سلف.

الاختبار الأول

شهدت هذه الفترة أول اختبار عملي للأمير الشاب، كان ذلك مع تطورات الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1972م وحتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978م وما ترتب عليها من تطورات سياسية مهمة نتيجة وجود خلافات في وجهات النظر تجاه تلك الاتفاقية بين الدول العربية ومصر، ولقد أدار الأمير سعود الفيصل سياسة المملكة في تلك المرحلة على أكمل وجه، ولعل هذه الأحداث وما شهدته من تجاذبات سياسية كانت في الواقع بمثابة الإعداد العملي لهذا الفارس لمواجهة أحداث أخرى جسام كانت بانتظاره، لا تقل خطورة وتأثيراً عن الحرب العربية الإسرائيلية، وذلك حينما اشتعلت نيران حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران عام 1980م التي استمرت لمدة ثماني سنوات حتى عام 1988م، والتي جاءت في أعقاب وصول "نظام الملالي" بقيادة الخميني إلى السلطة في إيران، وقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979م، وما ترتب على ذلك من قيام إيران بمحاولة تصدير ثورتها إلى الدول المجاورة ونشوب تلك الحرب، والتي شهدت معها الدبلوماسية السعودية فصولاً متعددة نجحت معها في إنهاء تلك الحرب، ومن ثم جاءت حرب الخليج الثانية التي عرفت بحرب تحرير الكويت من الغزو العراقي الذي قادته المملكة ودول التحالف الدولي في منتصف شهر يناير 1991م حيث كان للدبلوماسية السعودية ومن خلال مهندسها البارع الأمير سعود الفيصل وبتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز-رحمه الله- أن تمكنت المملكة من حشد ذلك التحالف العربي والدولي لطرد قوات صدام حسين من الكويت وتحريرها، عبر ما عرف بمعركة "عاصفة الصحراء"، وفي خضم هذه الحروب كانت لبنان تشهد حرباً بين طوائفها استمرت لمدة خمسة عشر عاماً انتهت بجهود سعودية عبر ما عرف باتفاق مؤتمر الطائف والذي كان لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- جهدا كبيرا ومؤثرا في الوصول إلى هذا الاتفاق بين الأطراف المتنازعة، كما كان للأمير سعود الفيصل -رحمه الله- دور فاعل ومؤثر في ملف تلك الأحداث اللبنانية، وكذلك الدفاع عن الشعب الفلسطيني وقضيته الرئيسية التي تحتل الأولوية للأمة العربية، وهذه الحروب والنزاعات والأحداث التي تشهدها معظم البلاد العربية، وفي إطار المسؤولية الملقاة على المملكة تجاه تلك الأحداث والقضايا التي تمس أمن ووحدة النسيج العربي والإسلامي كانت الدبلوماسية السعودية تمارس أفضل أدوارها للحفاظ على أمن واستقرار الأمة بقيادة وحنكة عرابها الراحل الأمير الإنسان سعود الفيصل.

درس في المواجهة

لقد أدرك الأمير سعود الفيصل بحسه وفطنته درساً آخر من مجريات تلك الأحداث المهمة التي شهدتها المنطقة طيلة تلك المدة الطويلة، والتي جعلت منها ساحة مشتعلة لمحاولة فرض تلك القوى العالمية نفوذها وهيمنتها على مقدرات وثروات دول المنطقة، وعبر قراءته لحقيقة معطيات السياسة التي تضمن صناعة استقلال الأمة، وأن هذا المستقبل لا يخلق من خلال التبعية المطلقة لأي جهة مهما كانت بل إنها تشرق من خلال الأخذ بالقرار النابع من المصلحة العليا للأمة وللدولة بعيداً عن الإملاءات التي يكون مصدرها عواصم دول تضع مصلحتها قبل مصالح الآخرين، فلقد واجه سعود الفيصل أمير الدبلوماسية والسياسة الذكية مجريات هذه اللعبة بكثير من الإتقان واستطاع استلهام توجيهات القيادة العليا للدولة للخروج من سلطة الإملاءات ليجنب المملكة الوقوع في شراك وحبائل ما وقعت به دول أخرى ذهبت ضحية هذه التبعية وما انتهى بها المطاف من تمزيق لوحدتها ونهب لثرواتها وسفك واستباحة لدماء أبنائها، وهذا ما يعبر بكل وضوح على نجاح السياسة السعودية في مواجهة الأحداث والتعاطي معها بكل حزم وإرادة.

رحم الله الأمير السياسي المحنك سعود الفيصل بن عبدالعزيز رمز الوفاء والعطاء والشهامة، رحمك الله يا من جاهدت في سبيل رفعة عقيدتك ووطنك وقيادتك وأمتك العربية والإسلامية، فمعها ستظل ذكراك عطرة يسجلها لك التاريخ بأحرف من نور وبمزيد من الاحترام والتقدير.


علاقات واسعة وحضور دولي كبير

صوت الحكمة الذي فقدته الأمة العربية والإسلامية