«هل انتقاد متطرفي الشيعة، طائفية؟»، كتب الأستاذ عبدالرحمن الراشد، متسائلاً، في الزميلة «الشرق الأوسط». وهو السؤال الذي يروم من خلاله تسليط الضوء على «العنف» بوصفه سلوكاً عابراً للطوائف، وفعلاً متجاوزاً للجماعات والهويات، وموقفاً تجاه الآخر، لا علاقة له بمذهب معين، كون التطرف الفكري، الذي يمثل أرضية ل»العنف» الجسدي منه أو الرمزي، هو عملية ذهنية، تنتج من انغلاق كل هوية على ذاتها، ونسج مخيال مرضي يشد عصبوية الجماعة، لتكون صلبة في مواجهة المختلف عنها، وكأن هذا المختلف «شرٌ محض»!.

الراشد يشير إلى أن ما عمق الحذر من ممارسة النقد تجاه الظواهر الدينية، أنه وفي الوقت الحاضر، نجد «الدين هو السياسة، ورجال الدين هم رجال سياسة، والجماعات صارت الأحزاب»، ما يعني تداخلاً بين الديني والزمني، تداخلاً سعى من خلاله أصحاب الخطابات المتطرفة، إلى إضفاء هالة قدسية على أطروحاتهم، وكأنها هي الدين النقي، فيما هي في حقيقتها تفسيرات للظاهرة الدينية، وقراءات بشرية، خاضعة لعقل وجهد وطرائق تفكير أصحابها، لا أكثر ولا أقل. وعليه لا توجد لها أي حصانة، تمنع من نقدها.

من هنا، فإن الإجابة على السؤال الذي طرحه الراشد، تكون ب»النفي». لأن نقد التطرف، لأي مذهب انتمى، أمر جدّ ضروري ومُلحٌ، لتبيان خطره، وكشف مخاتلته، وتفكيك مقولاته الناسجة لشبكة معقدة من المفاهيم المتداخلة، التي تؤسس على ادعاء للحق الإلهي، والسعي لتمثل وتطبيق هذا الحق، وصونه، وحماية المجتمع من شرّ من يحاول المساس به.

في لجة هذا النقد، تبرز إشكالية تتعلق بدور المثقف، ومهمته، وقدرته على الانعتاق من الهويات الضيقة، وأخذ زمام العقل في تخفيف الجماعة من وزر سردياتها عن الآخر، وتغيير صورته في مخيالها الجمعي. لأن هذا المخيال الجمعي هو ما يخلق سداً منيعاً تجاه أي مسعى نقداني حقيقي. كونه يصد أي فرد يسعى للخروج عن طوق الجماعة، خصوصاً في مثل هذه الأوقات التي تعيش فيها المجتمعات الإسلامية استقطابات سياسية ومذهبية حادة. وتقدمُ فيها الطوائف بوصفها حواضن آمنة ووحيدة، لا يمكن لأي حاضنة سواها أن تقي الجماعة من الإبادة أو الضرر.

«حين يصيبنا شر ما فإنه يمكننا القضاء عليه إما بإزالة سببه، أو بتغيير الانطباع الذي يخلفه في إحساسنا، وذلك إجمالاً، بإعادة تفسير ذلك الشر على أنه خير قد نكتشف نفعه فيما بعد»، على حد تعبير نيتشه. والذي يحدد لنا في مقولته السابقة دور «الفكر الحر» في تجاوز المأساة وتحويلها إلى فعل معاكس للشر الذي تتهاوى أمامه أفئدة العامة.

إنه دور النخبة المؤمنة بإنسانية الإنسان وكينونته، في أن تعيد تفسير الظواهر والأزمات، وتصيرها من أعواد مشانق إلى جسور خلاص. وهي المهمة المفقودة بشكل حقيقي حتى الساعة في المجتمعات العربية، كون النخبة جزءاً من المشكلة، وأفراد وأحزاب منها يعانون من أمراض عضال غير مرئية، لا تستطيع أن تتخلص منها بسهولة، لأنها ارتبطت بشبكة مصالحها وباتت جزءاً من قوتها التي تمنحها النفوذ.

«لا أحد يربح في الحروب المذهبية، التي يمكن أن تستمر لعقود طويلة دون هدف». يقول عبدالرحمن الراشد مؤكداً حقيقة تاريخية، عاشتها أوروبا سابقاً، ومرت بها المجتمعات المسلمة طوال قرون سلفت. إلا أن إشكالية الفرد العربي، هو تعاميه عن التاريخ، واستسلامه لغرائزية حيوانية، تشده إلى التوحش يوماً بعد آخر. وخوفه من أن يؤدي نقده لذاته إلى إضعاف جماعته، متناسياً أن النقد هو عملية تطهير للذات من عيوبها، وأن الخروج من الجماعة، هو عبور من ضيق جحيم الجهل، إلى سعة نعيم المعرفة.