يقف قصر الملك عبدالعزيز في محافظة الدوادمي شامخاً على عظمة فكر المؤسس طيب الله ثراه الذي أمر ببناء هذا القصر قبل 85 عاماً ليكون منشآة حكومية متكاملة الخدمات متعددة الأغراض، تهدف إلى جعله مكاناً لاستراحة الملك من عناء الطريق، ومن ثم الإقامة لتفقد أحوال الرعية في المنطقة، وتهيئة ليكون مقرا لاستقبال رجال الدولة والضيوف والوفود من الأمراء وشيوخ القبائل والمواطنين بصفة عامة، وتزويده بقوة أمنية مرابطة بصورة دائمة ومقراً للإمارة لتنظيم العمل الإداري والأمني وضبطه، إلا أن القصر ظل لعقود طويلة يعاني الإهمال ما أدى إلى سقوط جدرانه وتهدم أجزائه وتصدع أركانه.

المؤسس أمر ببنائه قبل 85 عاماً ليكون منشأة حكومية متكاملة ومتعددة الأغراض

وفي عام 1422ه انبرت وكالة الآثار والمتاحف لترميمه في بتكلفة تتجاوز 4 ملايين ريال سعودي، لما له من أهمية تاريخية لأهل المنطقة جميعاً، وهذا ما تسعى إليه الهيئة العامة للسياحة والآثار لتنمية الآثار ووضعها في المكانة اللائقة بها، لتحكي تاريخ الدولة السعودية للأجيال القادمة لتوثيق دورها في تأسيس الدولة، وظل مغلقاً تماماً حتى انطلاقة مهرجان "خريف الدوادمي" في دورته الأولى عام 1429ه ولمدة أربع دورات متتالية، إلا أن هذه الجهود توقفت بصورة مفاجئة وغير مسوغة منذ عام 1432ه، وسط مطالبات من سكان الدوادمي بتفعيل برامج وفعاليات لتحقيق الاستفادة المثلى من هذا القصر.

عانى الإهمال لعقود طويلة.. ورممته «السياحة والآثار» بأكثر من أربعة ملايين ريال

فكرة بناء القصر والغرض من تأسيسه

أمر جلالة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - ببناء القصر في شهر صفر عام 1350ه عند عودته من الحج في العام ذاته، حيث وصل إلى الدوادمي، بعد أن توفي الشيخ عبدالرحمن أبو بكر في مِنى أثناء حج عام 1349ه، وولّى إبراهيم بن عبدالرحمن أبو بكر مكان أبيه، وأكد بناء القصر وذلك بعد اقتراحه على جلالته أرضاً تقع غرب بلدة الدوادمي تحتوي على بئر ومزرعة من أملاك آل أبو بكر، فذهب الملك للوقوف على المكان المقترح فرأى أنه مناسب لإقامة القصر، ثم بدأ الملك بنفسه بتخطيط القصر بقدميه محددا البوابة الرسمية والأبراج الأربعة (المقاصير) إضافة إلى أمره بحفر قاعدة السور، واستمر بناء القصر حتى شهر ربيع الآخر عام 1351ه، وكان عدد العمال الذين اشتركوا في بنائه نحو 120 عاملاً.

وتمثلت رؤية المؤسس - طيّب الله ثراه - في بناء القصور الملكية في الطريق في بعض البلدان الواقعة بين نجد والحجاز لدواعي الحاجة كتطور حتمي إثر دخول الحجاز سنة 1343ه تحت مظلة الدولة السعودية، حيث أصبح الملك عبدالعزيز يتولى الإشراف على الحج بنفسه لشعوره بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه نحو المسلمين في كل بقاع العالم، من هنا تكرر خروجه شخصياً من نجد إلى الحجاز قبيل الحج ثم عودته من الحجاز إلى نجد بعد الحج بصفة سنوية ثابتة، إضافة إلى أن هذا الطريق شكل شرياناً رئيسياً تتردد عبره قوافل الحكومة وقوافل التجارة والحج، فعزم الملك بعد عودته من حج 1348ه على إنشاء ثلاثة قصور أحدها في "مرات"، والثاني في "الدوادمي"، والثالث في "المويه"، لتكون محطات رئيسة في هذا الطريق.

ولم تكن تلك القصور قصوراً ملكية خاصة بقدر ما كانت منشآت حكومية متكاملة الخدمات متعددة الأغراض، تهدف إلى جعل هذه القصور مكاناً لاستراحة الملك من عناء الطريق ومن ثم الإقامة لتفقد أحوال الرعية في هذه المناطق، إضافة إلى تهيئة مقر لاستقبال رجال الدولة والضيوف والوفود من الأمراء وشيوخ القبائل والمواطنين بصفة عامة، وتشكيل مكاتب للبريد والنقل ليستريح فيها الأفراد العاملون في نقليات الحكومة والبريد بين الحجاز والعاصمة السعودية، وإيجاد محطات اركاب ومراكز لتموين القوافل بالوقود والأكل والشرب وغيرها من الاحتياجات، مع تزويد هذه القصور بقوة أمنية مرابطة بصورة دائمة وجعلها مقرا للإمارة في كل بلدة، وذلك لتنظيم العمل الإداري والأمني وضبطه.

وقد كان طريق القوافل المتجهة من نجد إلى الحجاز أو القادمة منه في السابق يمر ببلدة "الشعراء" التي تقع جنوب الدوادمي بنحو 30 كم، واستمرت تؤدي دورها حتى عام 1348ه، حين فكر الملك عبدالعزيز في تحويل الطريق من مركز الشعراء إلى الدوادمي لأسباب أمنية تتعلق بآثار فتنة الإخوان بعد عام 1347ه، حيث يمثل جبل ثهلان الذي يمر الطريق في ثناياه مكاناً مناسباً للتربص لمن أراد الاعتداء على القوافل بصفة عامة، كما أنه يعد حصناً منيعاً لهؤلاء بعلوه وامتداده وتعدد ريعانه ومياهه، وهنا تجلت عبقرية الملك السياسي المحنك وعقلية القائد العسكري الخبير في إغلاق أي احتمال لأي عمل، وتم تحويل الطريق قليلا ليمر عبر الأراضي المفتوحة، لتتحول الدوادمي إلى محطة رئيسية للقوافل وتبدأ نهضتها الحضارية في هذا العهد الزاهر.

أقسام القصر الأصلية والمضافة لاحقاً

يتكون القصر من عدد من المباني، منها ما كان بناؤه قديماً من أصل القصر، ومنها ما أحدث بناؤه بعد حين وذلك للحاجة إليه، وهي المجلس الملكي أو ما يسمى ب (الرّوشن) وهو المكان الذي يجلس فيه الملك عبدالعزيز للاستقبال، وتصريف الأمور، وقيل إن هذا المجلس حدده الملك بنفسه عند التخطيط الأولي للقصر، ويقع فوق البوابة الرئيسة التي من الجهة الشمالية، أما المسجد فهو على يمين الداخل مع البوابة الرئيسة، ويقال كذلك إن الملك عبدالعزيز هو الذي حدد مكانه قبل البناء، وقد أنجز بناؤه في ذي القعدة عام 1350ه وصلى فيه الملك عبدالعزيز وهو في طريقه ذاهباً للحج، وتقع ديوانية القهوة على يمين الداخل من الباب الرئيسي، وتقع الورش في غربي المسجد وهي عبارة عن ساحة أو (حوش)، أما السجن فكان في بداية بناء القصر عبارة عن حجرة تقع على يسار الداخل من البوابة الشمالية.

بعد ذلك بسنوات استحدث مبنى آخر للسجن، يتكون من عدد من الغرف، ويقع في الجهة الجنوبية الشرقية بجوار المدخل الشرقي، وبجانبه غرفة لحارس السجن، وسكن الأخويا وموظفي البرقية ويحتل الجهة الجنوبية من القصر، ويتكون من عدد من الغرف، وهو ملتصق بالسور الجنوبي، ويقع البئر في الجهة الجنوبية الشرقية، غربي السجن الجديد وتقع محطة البنزين في الجهة الجنوبية الغربية، ولم تكن مع بناء القصر وإنما استحدثت عام 1363ه، وعند إحداثها فُتح للقصر بوابتان اثنتان متقابلتان، إحداهما من الجهة الغربية والأخرى من الجهة الشرقية، وذلك تسهيلاً لدخول السيارات وخروجها من القصر ومكتب المحطة وهو مكان موظفي محطة البنزين، ويقع على يسار الداخل من البوابة الغربية وهو من المباني المحدثة ومكتب تسجيل السيارات، وسكن الشرطة ويقع فوق مستودعات الأطعمة.

ترميم القصر والفعاليات التي أستضافها

ظل القصر لعقود طويلة يعاني الإهمال مما أدى إلى سقوط جدرانه وتهدم أجزائه وتصدع أركانه، في ظل غياب الوعي بأهمية الآثار التاريخية في السنوات السابقة، حتى انبرت وكالة الآثار والمتاحف لترميمه بعد عناء، وكانت بداية العمل بالترميم في 22/12/1422ه، وتكلفته تتجاوز 4 ملايين ريال سعودي، وبعد نهاية ترميمه ظل مغلقاً تماماً حتى انطلاقة مهرجان "خريف الدوادمي" في دورته الأولى، يوم الخميس الموافق 16/10/1429ه، برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، وتوالى بعد ذلك التاريخ تنظيم هذا المهرجان لأربع دورات متتالية لما له من أهمية تاريخية لأهل المنطقة جميعا، وهذا ما تسعى إليه الهيئة العامة للسياحة والآثار لتنمية الآثار ووضعها في المكانة اللائقة بها، لتحكي تاريخ الدولة السعودية للأجيال القادمة لتوثيق دورها في تأسيس الدولة، إلا أن هذه الجهود توقفت بصورة مفاجئة وغير مسوغة منذ عام 1432ه.

مطالبات بالاستفادة المثلى من القصر

وتساءل أهالي الدوادمي بصورة خاصة عن أسباب عدم تنظيم أي مهرجانات أو فعاليات طوال السنوات الماضية، في ظل عدم وجود أي بوادر تنبئ عن تنظيم الجهات المعنية أي مهرجان أو فعالية من الفعاليات الموجهة إلى أبناء المحافظة وزوارها، أسوة بما هو عليه الحال في العديد من المناطق والمحافظات الأخرى بالمملكة، ومع ذلك فإن الأمل لم ينقطع لدى كثير من الأهالي وزوار المحافظة ممن يأملون في رؤية العروض والفعاليات التي من الممكن أن تنظمها بعض الجهات الحكومية والخاصة، خصوصاً أنهم يعلمون مسبقاً أن هذه العروض والفعاليات سيحتضنها "قصر المؤسس" الذي يعد معلماً من المعالم السياحية البارزة في المحافظة.

ودعا أهالي الدوادمي في الوقت ذاته الجهات المعنية إلى إعادة تنظيم المهرجانات والفعاليات في الإجازات الصيفية والأسبوعية، مؤكدين أن المحافظة مهيأة لتنظيم المهرجانات والفعاليات الثقافية والوطنية والاجتماعية، إلى جانب تنظيم عدد من المعارض لمختلف المناسبات طوال أيام العام، مشيرين إلى أنه من الممكن أن يتخللها مهرجانات للتسوق، بحيث تنظمها وتشرف عليها ثلة من الأكاديميين والمثقفين والتربويين من الجنسين، خاصة أن محافظة الدوادمي تزخر بكوكبة مميزة من القيادات التي لها ثقلها وتأثيرها في المجتمع، ومن أهمها تشجيع المواهب الشابة ودعم مشاريع الأسر المنتجة وغيرها.


حافلة منذ عهد المؤسس يحتضنها القصر

صورة قديمة للقصر بعد تأسيسه

وفد من التدريب التقني أثناء زيارتهم القصر

الأسر كانت تجد متعتها في المهرجان المقام بقصر المؤسس