يُخلّد التاريخ ذكر الأحداث والمعارك والدول والرجال، لكنه في الغالب يُغيب أسماء وأمجاد ومآثر النساء حتى الشهيرات وذوات الشأن العظيم منهن، وإن كان التاريخ القديم قد تجاهل -في كثير من عصوره- شهيرات النساء، فإن التاريخ الحديث أكثر تعتيماً لذوات الشأن والريادة، لذا فقد نال نساء الجزيرة العربية ما نال غيرهن في كافة أقطار المعمورة، فبقيت الأسماء اللامعة منهن غائبة عن توثيق التاريخ، لاسيما حين أوشكت هذه الظاهرة أن تطال الجميع حتى الرجال، لولا أن بريق بعض الأسماء اللامعة ظل ساطعاً إلى أن اقتبس منه المؤرخون والرحالة وحملة الأقلام معلومات، استطاعوا من خلالها أن يدونوا في كتبهم بيانات مقتضبة عن بعض النساء الشهيرات في بلادنا من ربات الحكمة ورائدات الشعر، ولعلنا هنا نذكر الأميرة سارة بنت أحمد بن محمد السديري زوجة الإمام عبدالرحمن الفيصل ووالدة المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمهم الله- ، التي ذكر "خير الدين الزركلي" في كتابه (شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز)، أنها كانت من أكمل نساء زمانها عقلاً وتدبيراً، رغم أنها لم تتلق أي قدر من التعليم.

زرعت في الملك عبدالعزيز ضرورة إعادة حكم آبائه وأجداده فتحقق ذلك على أرض الواقع

شموخ وثقة

ذكر مصطفى الحفناوي في كتابه (ابن سعود) أن الأميرة سارة عُرفت بالحكمة وتحمل الصعاب، فقد عاشت مع زوجها الإمام عبدالرحمن الفيصل أصعب الظروف وأحلكها، لاسيما حين خروجه من الرياض وتوجهه إلى بادية المنطقة الشرقية ثم إلى البحرين فقطر وأخيراً الكويت، إلى أن استعاد ابنها الملك الظافر عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- مدينة الرياض، وشرع في تأسيس المملكة العربية السعودية، موضحاً أنه يكاد يجمع المؤرخون على أن والدة الملك عبدالعزيز كانت من أوائل أولئك الذين زرعوا في الملك المؤسس ضرورة إعادة حكم آبائه، بل كانت كما ذكر إبراهيم عبده في كتابه (إنسان الجزيرة) أن من فضائلها ثباتها في المواقف التي عصفت بأسرتها بعد "موقعة المليداء" عام 1308ه- 1891م، وقد رقت بشمائلها وتقواها غير آبهة بزينة الأميرات فكفلت زوجها في ترحاله، كما أنها لم تغفل في تلك الفترة عن أبنائها إذ عملت على تربيتهم وتوجيههم الوجهة الصحيحة وأعدتهم الإعداد الملائم لتحمل تبعات مستقبل الأيام.

تحمل المشاق

ووصف خير الدين الزركلي خروج الإمام عبدالرحمن من الرياض حتى وصوله إلى الكويت وصفاً دقيقاً استفاد منه "بيار روفايل" في كتابه (صقر الصحراء) وصوّر هذا الأخير حجم المعاناة والصعاب التي واجهت الأميرة سارة، بل لقد كتب بشكل روائي جذاب ثبات الأميرة مع زوجها وتحملها المشاق في مواقف تثبت مؤازرتها وصبرها وصدقها مع زوجها الإمام عبدالرحمن الفيصل، وقد ألمح لهذه الرحلة الشاقة كثير من المؤرخين والرحالة، ومنهم الجغرافي الشهير "لوريمر" في كتابه (دليل الخليج العربي) كما ذكر الحفناوي أنها عاشت مع زوجها الإمام عبدالرحمن وأبنائها أبان هذه الرحلة في بعض البلدان بمنزل يتكون من ثلاث غرف.

وداع شجاع

وذكر المؤرخ إبراهيم العبدالمحسن في كتابه (تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان) أن الأميرة سارة قد طلبت من زوجها الإمام عبدالرحمن أن يسمح لابنهما الملك عبدالعزيز أن يعود ليكرر المحاولة لدخول الرياض، بعد أن فشلت محاولته الأولى في "معركة الصريف"، سيما وقد لمست منه إصراره وعزيمته وهي بين عاملين: حب الابن والإشفاق عليه من تلك المغامرة، أو النزول على طلبه، لفتح الباب له على مصراعيه، وذكر الحفناوي أن الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- حين أكمل استعداداته للمسير نحو الرياض ذهب إلى أمه ليودعها فجاش في صدرها حنان الأم، وتغلب عليها الخوف عليه فبكت بكاءً حاراً، وحاولت أن تثنيه عن قصده غير أن أخته نورة شجعته، ويتجلى تأثر الملك عبدالعزيز بوالدته وفضلها في توجيهه كما ذكر الحفناوي والزركلي وفؤاد حمزة بما كان يذكره الملك عبدالعزيز نفسه من فضل والدته عليه في كل مناسبة.

والدها وإخوتها

وذكرت د. دلال الحربي في كتابها (نساء شهيرات من نجد) وهو احد أهم الكتب الحديثة التي فتحت لبعض نساء الجزيرة صفحات من التاريخ، أن الأميرة سارة ولدت على وجه الترجيح في العقد السابع من القرن الثالث عشر الهجري في الأحساء نظراً لأن والدها أحمد بن محمد السديري كان أميراً عليها من قبل الإمام فيصل بن تركي حتى وفاته عام 1277ه/1868م، وكان والدها قبل توليه إمارة الأحساء قد تبوأ مناصب إدارية أخرى، كما كان له إسهامه العسكري، وتتجلى في سيرته المواقف الجليلة، والشجاعة الفائقة والخدمات الإنسانية ورعاية الأدب خاصة الشعر منه. وأضافت أن إخوتها محمد وتركي وعبدالمحسن وعبدالعزيز وسعد وعبدالرحمن ساروا على سيرة والدهم عملاً وخلقاً، فكان لبعضهم إسهام في خدمة الدولة السعودية الثانية في مواقع إدارية مختلفة بين جهات عمان والأحساء وسدير والقصيم، إضافة إلى مشاركتهم العسكرية.

أخواتها وأبناؤها

وأوضحت د. دلال الحربي أنه بالنسبة لأخواتها فقد وقفت على اسم اثنين منهما هما نورة وفلوة، وقد أنجبت فيصلاً ثم نورة، ثم أنجبت عبدالعزيز سيد جيله، ومنيرة، وهيا، وسعد.

وذكر الأستاذ عبدالرحمن الرويشد أن الملك عبدالعزيز تربطه علاقة من ناحية الأم بالشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ وأنهما أبناء خالة، مشيراً إلى أن وفاة أخي الأميرة سارة، ويسمى محمد في "معركة طلال" أثرت عليها كثيراً، وتوفيت -رحمها الله- بعده في سنة 1326ه، في حين ذكرت د. دلال الحربي" أن وفاتها كانت في أواخر عام 1327ه أوائل 1910م، رحمها الله رحمة واسعة.

مركز سارة

واستقبلت الباحثة السعودية خبر إنشاء مشروع مركز الأميرة سارة بنت أحمد السديري لأبحاث المرأة بفرحة عارمة، حيث يواجه الباحثون والباحثات معاناة أزلية تمثلت في ندرة المواد والموروثات العلمية والوثائقية التي تحكي تاريخ المرأة في جزيرة العرب، لاسيما في القرون المتأخرة، وكان الدكتور فهد بن عبدالله السماري -المستشار بالديوان الملكي والأمين العام لدارة الملك عبدالعزيز- قد أوضح في حديث له أن مركز الأميرة سارة بنت أحمد السديري -والدة الملك عبدالعزيز- قد أنشئ من أجل تحقيق أهداف محددة له سلفاً، فهو مع كونه يحمل اسم والدة الملك المؤسس عرفاناً بما قامت به من دور مشهود في تثبيت وتشجيع موقف ابنها الملك عبدالعزيز في استعادة حكم أبائه، وصبرها على المشاق والمتاعب التي واجهتها من أجل تحقيق ذلك، فهو أيضاً يهدف إلى تحقيق محورين هامين؛ الأول استظهار تاريخ المرأة السعودية منذ تأسيس المملكة العربية السعودية وتوثيق إنجازاتها وأدوارها الحضارية في مختلف المراحل التاريخية، والثاني احتضان الباحثة السعودية وغيرها من الباحثات وخدمتها وتقديم سبل العون، والعمل لتسهيل أبحاثها العلمية التاريخية وكل ما يتعلق بتاريخ المملكة العربية السعودية، لاسيما ذلك التاريخ المتعلق بموروث المرأة وتاريخ الجوانب النسائية في الجزيرة العربية، كما أن هذا المركز يأتي امتداد لمركز الباحثات، الذي قدم خدماته للباحثة، واهتم بالنشاطات العلمية والوطنية النسائية في كافة مناطق المملكة العربية السعودية، تقديراً منه لحجم المعاناة التي تواجهها الباحثة السعودية، وذلك نظير صعوبة تنقلها وظروفها الاجتماعية التي قد تحد من نشاطها الكامل.

إنشاء مركز الأميرة سارة السديري لتوفير الموروثات العلمية والوثائقية التي تحكي

تاريخ المرأة

خدمات بحثية

وقال الباحث د. عبدالله العسكر أن مركز الأميرة سارة بنت أحمد السديري يأتي امتدادا لمركز الباحثات الذي أسسته دارة الملك عبدالعزيز منذ عقد من الزمن لخدمة الباحثات، وقد اكتسب مركز الباحثات خبرات متعددة، وقدم خدمات بحثية، ونشر عددًا من البحوث والكتب الرائدة لمؤلفات سعوديات.

وكانت الأميرة حصة بنت سلمان قد ذكرت أن والدها الملك سلمان -حفظه الله- لا يغفل أعلام النساء السعوديات، وأنه هو من اقترح على الملك عبدالله -رحمه الله- إطلاق اسم: الأميرة نورة شقيقة المؤسس على جامعة البنات، وهو من اقترح مركزاً متخصصاً لدراسات المرأة يحمل اسم والدة الملك عبدالعزيز، وكلتا المرأتين لهما مكانة في قلب المؤسس وعقله، فضلا عن مكانتهما الاجتماعية والاستشارية لدى الملك عبدالعزيز، كما ذكر ذلك د. عبدالله العسكر.

وتتطلع الباحثات أن يهدف المركز إلى احتضان الباحثة السعودية وغيرها من الباحثات، ويقدم لهن يد العون في كل ما من شأنه خدمة واقع المرأة والطفل والأسرة، في كافة الميادين.


فروسية الملك عبدالعزيز كان وراءها دعم من والدته الأميرة سارة

الإمام عبدالرحمن الفيصل (رحمه الله)

الملك عبدالعزيز انطلق من الرياض ليوحد مناطق المملكة

شخصية الملك عبدالعزيز اتسمت بالشجاعة جراء تربيته على يد أم شجاعة

الأميرة سارة تألمت لمغادرة ابنها إلى الرياض لكنها كانت على ثقة بعودته منتصراً

الوصول إلى الملك كان خلفه رحلة شاقة وحروب شرسة

توحيد المملكة جاء بدعم ومؤازرة من والدي الملك عبدالعزيز

الملك عبدالعزيز حقق نجاحات كبيرة تعكس تربيته المؤثرة

انتصار المؤسس في معركة الرياض جمع الناس على صف واحد