قبل أسبوعين كتبت مقالاً بعنوان «هياكل بشرية ليست للبشر» تحدثت فيه عن اكتشاف هيكل عظمي صغير في أندونيسيا (اعتقد العلماء حينها أنه لنوع مختلف من البشر). ولكن المرجح حالياً أن الهيكل يعود لأنثى عادية - ولكنها بالصدفة - كانت مصابة بحالة وراثية نادرة تدعى (microcephaly). والمصابون بهذا المرض تتقلص عظامهم ومفاصلهم وجماجمهم بحيث لا تتجاوز أطوالهم المتر - في حين لا تزيد سعة الجمجمة لديهم على حجم البرتقالة!!

هذا الاكتشاف الجديد هو في الحقيقة ما دعاني لتخصيص هذا المقال عن أغرب الحالات الوراثية والصحية التي سمعت بها في حياتي، فهناك مثلاً نوع غريب من أورام الرحم يدعى التيراتومانا أو (DERMOID CYSTS) يشكل وحده 20٪ من الأورام التي تصيب الرحم.. ولو فتحت هذا الورم قد تفاجأ باحتوائه على أنف كامل أو فك بأسنان أو فروة شعر أو قطعة جلد أو حتى عضو تناسلي مستقل.. ويعود أصل هذه الحالة إلى الوقت الذي كانت فيه المرأة جنيناً في بطن أمها.. وما يحدث هنا أن بعض الخلايا القديمة (التي تعود لأيام الحمل) تبقى هاجعة بدون أن تتحول إلى أعضاء أصلية في الجنين. ثم قد يحدث في أي سن من عمر المرأة أن تنشط هذه الخلايا فتتحول إلى ما كان يجب أن تتحول إليه من أسنان أو جلد أو شعر!!

وهناك حالة أخرى غريبة تحدث داخل الرحم يطلق عليها اسم (التوأم السارق) وهي حالة تحدث أثناء الحمل حين يستولي أحد التوأمين على معظم الأوكسجين والطعام القادم من المشيمة فيصاب الأول بفقر الدم (فيغدو ضئيلاً مصفراً) في حين ينال الثاني كل شيء (فيغدو وردياً متضخماً)!!

.. أيضاً من الأمراض الغريبة الأخرى حالة (البروجيرا) التي تسبب للأطفال شيخوخة مبكرة بحيث يبدو ابن السابعة في السبعين وابن الثامنة في الثمانين.. والبوجيرا من الأمراض القاتلة ولكن الحالات الناجية منها تصاب بتسارع كبير في النمو بحيث يمر الطفل بجميع مراحل العمر (الطفولة والشباب والشيخوخة) خلال سبع أو عشر سنوات.. وتُعد حالة الطفل الفرنسي «داني» أفضل حالة معاصرة كونه وصل إلى مرحلة الشيخوخة المتقدمة (عشرون عاماً فقط) في حين لا يكاد أي مريض يتجاوز الخامسة عشرة!!

٭ ومن جهة أخرى لعل معظمنا سمع - أو قرأ - عن إنجازات شخصية غريبة دخلت كتاب غينيس للأرقام القياسية، فهذا يأكل 33 دجاجة في جلسة واحدة، وذاك يشرب 10 جالونات ماء في اليوم، وتلك تأكل قطع البلاستيك وكاسات الزجاج.. ولكن مالا يعرفه معظمنا أن أغلب هذه الإنجازات مبنية على أمراض نادرة جداً لم يسمع بها أكثر الأطباء - فضلاً عن عامة الناس -!!

فالسهاف مثلاً مرض يسبب العطش الشديد بحيث يضطر المريض لشرب الماء بشكل دائم ومستمر، ويعتبر الشاب «فالي مير» من جوهانسبيرغ أوضح مثال لهذا المرض. فخلال النهار فقط يشرب عشرين جالوناً من الماء لإطفاء عطشه الدائم. أما السويدية «هلغا اندرسون» فشربت ما مجموعه (87,600) جالون من المياه بين عامي 1922 - 1971 (بمعدل خمسة جالونات في اليوم9!!

وفي المقابل هناك مرض «الصنور» أو الشره الكبير للطعام. وهذا المرض ليس ناجماً عن شهوة ورغبة في الطعام بقدر ما هو عجز الجهاز الهضمي عن تمثيل الغذاء بشكل كامل، فالمصاب بهذا المرض يضطر لأكل «الكثير الكثير» كي يستخلص «القليل القليل» الأمر الذي يجعل معظم المصابين في حالة نحافة دائمة. وأول حالة معروفة كانت للطفل ماتيو داكنج الذي عاش عام 1743 وفاقت كمية طعامه اليومي (24) كغم ولم يتجاوز التاسعة من عمره. أما أشهر حالة معاصرة فهو الأمريكي «ادوارد ابراهام» الذي عُرف بمشاركاته في مسابقات التخمة والأكل المفرط - ودخل كتاب غينيس للارقام القياسية لأول مرة حين ابتلع 27 دجاجة في جلسة واحدة!