لم يتفاجأ اليمنيون وهم يسمعون تصريحات المندوب الأممي السابق في اليمن جمال بنعمر التي أطلقها أثناء عقد آخر مؤتمراته الصحافية في مقر الأمم المتحدة في 27 من ابريل الجاري، والتي قال فيها "إن الفرقاء اليمنيين كانوا على وشك التوصل إلى اتفاق نهائي شمل الملفات كلها قبل التدخل العسكري العربي بلحظات. بل إن اليمنيين، وقبل أن يسمعوا تصريحاته الأخيرة، كانوا قد شككوا في أداء الرجل طوال فترة بقائه ضمن مهمته في اليمن، إلى درجة اتهامه بالشرعنة للعنف وللانقلاب الحوثي على العملية السياسية في اليمن بحسب تصريحات المندوب اليمني الدائم لليمن في مجلس الأمن السفير خالد اليماني الذي استهجن حديث بنعمر واتهمهه بالشرعنة للانقلاب الحوثي وعرقلة العملية الانتقالية في اليمن، وهو الرأي السائد لدى غالبية النخب السياسية في اليمن، التي لم تكن مطمئنة لأداء بنعمر منذ احداث عمران مروراً بسقوط العاصمة صنعاء في ال 21 سبتمبرالماضي حيث كان السيد بنعمر في زيارة لزعيم الحوثيين في مدينة صعدة شمال اليمن استمرت خمسة ايام عقد خلالها مشاورات مع زعيم المتمردين الحوثيين عبدالملك الحوثي، بالتزامن مع سقوط العاصمة بيد ميليشياته التي كانت تحاصرها منذ مدة.

«اتفاق السلم والشراكة» للمبعوث الأممي مع الحوثيين تم بناؤه على أنقاض صنعاء

عاد السيد بنعمر بعدها إلى العاصمة ليرعى اتفاقا سياسيا أطلق عليه "اتفاق السلم والشراكة"، كان الاتفاق يجري على انقاض العاصمة التي سقطت بيد الميليشيا وتحت شروط السلاح الحوثي، هذا الاتفاق الذي تم برعاية المبعوث الأممي ايضا كان الحوثي ومسلحوه هم المستفيد الأوحد، فبموجبه سيحصل الانقلاب على الغطاء السياسي.

لحظات بنعمر الأكثر غرابة في تصريحاته الأخيرة

وصف المبعوث الأممي السابق لليمن، اللحظات التي سبقت التدخل العربي، بأنها كانت لحظات توقيع اتفاق نهائي بين القوى السياسية في اليمن!. ليست ذاكرة اليمنيين والعالم ضعيفة ولا مثقوبة، ليتعاملوا مع هكذا تصريحات لبنعمر ضمن "احتمال صحتها"، إذ ان العالم، وليس اليمنيين وحسب، عاشوا لحظات ما قبل تدخل عاصفة الحزم التي يقول بنعمر إنها كانت لحظات توقيع اتفاق نهائي! ويعلمون جميعا كيف أن مليشيات الحوثي وضعت الرئيس الشرعي وحكومته تحت الإقامة الجبرية واختطفت وزراء الحكومة، ثم أعلن فيها زعيم المتمرديين الحوثيين عبدالملك الحوثي "التعبئة العامة" في أوساط مليشياته وقوات الرئيس المخلوع لاجتياح ما تبقى من المحافظات والمدن اليمنية.

اعقب حديث التعبئة العامة تحرك هذه المليشيات في هذه "اللحظات"،التي يصفها بنعمر بلحظات الاتفاق النهائي بين القوى السياسية، لتصل إلى أبواب مدينة عدن بعد أن اجتاحت محافظات إب والضالع ولحج وتعز والبيضاء، هي بالطبع لحظات ما قبل التدخل العربي التي تعرض فيها مقر الرئيس الشرعي لقصف بالطيران في مدينة عدن حيث كان قد فر إليها من منزله المحاصر في العاصمة صنعاء.

كانت ميليشيات الحوثي قد تنكرت للحوار الذي يرعاه بنعمر بين الاطراف السياسية وأصدرت ماسمي ب"الاعلان الدستوري" الذي قال رئيس المجلس السياسي لجماعة الحوثي صالح الصماد لوسائل الاعلام "إن هذا الاعلان الدستوري جاء بالاتفاق مع المبعوث الاممي جمال بنعمر"

تناقضات بنعمر

تناقضات بنعمر عند قراءة تصريحاته التي أشار فيها إلى أن القوى السياسية كانت قد توصلت إلى اتفاق نهائي قبل لحظات من التدخل العربي مشيرا إلى أن هذا التدخل الذي جاء بطلب من الرئيس الشرعي قد أفشل هذا الاتفاق. لابد وأن المتابع العادي لمجريات الأحداث فضلا عن المراقب سيكتشف تناقضات هائلة يعيشها الرجل، إذ أنه وقبل أربعة ايام فقط من انطلاق عملية عاصفة الحزم، قدم إحاطته لمجلس الامن، وقال فيها "يبدو أن الحوثيين، مدعومين بعناصر من القوات المسلحة اليمنية، قد بدأوا في التحرك الآن نحو الجنوب باتجاه لحج وعدن، وثمة إحساس سائد لدى اليمنيين بأن الوضع يتجه سريعاً نحو مزيد من التدهور، كما يستحوذ القلق على الكثيرين من اتخاذ الصراع صبغة طائفية مثيرة للقلق وتعميقه للانقسامات بين الشمال والجنوب" وأضاف بنعمر في إحاطته لمجلس الامن قبل انطلاق العاصفة بأربعة ايام" في 21 و 22 مارس، تزايدت أعداد المليشيات الحوثية مدعومة بوحدات من الجيش اليمني في تعز، التي تعد مركزاً صناعياً في الشمال وبوابة العبور نحو عدن، وفي وقت سابق من هذا اليوم، تواردت أنباء عن سيطرة الحوثيين على مطار تعز وأجزاء أخرى من المدينة، كما قام الجنود في تعز كذلك بتفريق المتظاهرين باستخدام الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية. وعلى غرار ما يحدث في تعز، خرجت تظاهرات مناهضة للحوثيين في صنعاء ومدن أخرى. إنني، والكلام لبنعمر نفسه، أشعر بقلق بالغ إزاء استخدام الاعتقال التعسفي والاحتجاز والاختطاف والعنف، وأدعو إلى الاحترام الكامل لحقوق الإنسان للمتظاهرين السلميين والصحافيين".

اليمنيون يطلقون هاشتاغ

(الرياض) تابعت ردور الفعل اليمنية حول تصريحات ودوافع المبعوث الاممي السابق جمال بنعمر، إذ كانت ردة فعل الشارع اليمني سريعة واتجهت غالباً نحو استهجان وتكذيب تصريحات بنعمر، باستثناء إشادة حوثية رأت في تصريحاته تعزيزاً لتقويض عملية السلام وعرقلة العملية الانتقالية السلمية في اليمن ودعماً للانقلاب على الشرعية في اليمن، فيما سارع اليمنيون عقب تصريحات الرجل بإطلاق هاشتاغ على مواقع التواصل الاجتماعي حمل كلمة (‫#‏بنعمر_يكذب ‪#‎benomar_lying) بلغ عشرات الالاف خلال ساعات فقط من اطلاقه.

وفي اتصال بالمستشار الاعلامي للرئيس هادي مختار الرحبي، قال " ان بنعمر لم يستطع امتلاك مفاتيح الحل بسبب تعنت المليشيات الانقلابية وخاض معها حوارا بينما الرئيس الشرعي تحت الإقامة الجبرية وكذلك رئيس الحكومة "وأضاف الرحبي" ان جمال بنعمر بالرغم من ذلك لم يتخذ ضد المليشيات أي موقف جاد لعودة المسار السياسي إلى نصابه".

*محاولة لتغطية الفشل

ويتابع مستشار الرئيس هادي "تصريحات بنعمر هي محاولة لتغطية فشل العملية السياسية تحت إشرافه ومحاولة رمي الفشل إلى عاصفة الحزم التى أتت بطلب من الرئيس الشرعي بعد أن قامت المليشيات بمحاولة اغتياليه فى قصر "معاشيق" بعدن. مشيراً إلى أن عاصفة الحزم ليست من أفشل العملية السياسية وإنما تعنت الحوثيين والرئيس المخلوع ورفضهما تنفيذ قرارات مجلس الأمن السابقة والأخيرة، حيث لم يقم المبعوث الأممي جمال بنعمر بدوره في الدفع نحو تنفيذ هذه القرارات. وأوضح المستشار الاعلامي للرئيس اليمني في تصريح ل "الرياض" إن التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية يحاول إعادة الأمور إلى الوضع الطبيعي وليس هذ الوضع الشاذ الذي يتمثل بسيطرة عصابة مسلحة متمردة على مؤسسات الدولة بتعاون وثيق مع المخلوع، مشيراً إلى "أنه بهذه التصريحات يضع بنعمر نفسه فى مواجهة أمام الشعب اليمني الذي يعتبر دور بنعمر مشرعنا للانقلاب والانقلابين".

توسع الحوثي في وجود بنعمر

وبحسب مراقبين، لم يكن بمقدور بنعمر تحميل الانقلابيين الحوثيين المسؤولية عن ماجرى في اليمن من انقلابهم على العملية السياسية السلمية بقوة السلاخ فالرجل كان قد تورط، وكما تشير تصريحاته الاخيرة، في تذليل الطريق أمام عربة الحوثي منذ البدايات وبسبب غض الطرف التي اعتمدها الممثل الاممي السابق عن سلوك الحوثي، فقد تمكن هذا الأخير من الوصول إلى عدن بعد أن كان تواجده مقتصرا على بعض أجزاء من محافظة صعدة قبل مجيء جمال بنعمر مبعوثا للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن.

لقد جاءت تصريحاته الاخيرة لتزيح عن المليشيات الحوثية عبء مسؤولية تقويض العملية السياسية في اليمن، لانه لو فعل فسيكون هذا الفعل، وببساطة شديدة، ينطوي على اتهام مباشر لبنعمر بالشراكة مع الحوثي في انتاج هذا الوضع كما يرى مثقفون يمنيون حيث يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي في حديثه ل "الرياض" إن جمال بن عمر أطلق رصاصة الرحمة على مصداقيته ومهنيته بهذا التصريح الذي يحمل مغالطات يعلمها كل اليمنيين" موضحاً أن اليمنيين لم يكونوا جاهزين لاتفاق تسوية بينهم أبداً، لأن طرفاً واحدا، هو مليشيا الحوثي ومن خلفها الرئيس المخلوع صالح، كان قد شكل حلفاً يستند بشكل رئيسي إلى القوات المسلحة الخاضعة لسيطرتهما، وقرر فرض "خيار أحادي" تحدث عنه بنعمر مراراً، محاولا اعطاء الاحداث اسما بديلا عن اسمها الحقيقي "الانقلاب".

*تجاهل الاستفزازات الإيرانية

يضيف التميمي "إن تدخل التحالف العربي، جاء بعد أن بدأ حلف الانقلاب عملياته العسكرية الميدانية في لحج وعدن والضالع، في مهمة واضحة للإطاحة بالرئيس وإحكام السيطرة على اليمن وإنهاء النظام الانتقالي بالقوة العسكرية" مشيراً إلى أن "بنعمر لم يشر إلى الاستفزازات الإيرانية وإلى الاتفاقيات التي أبرمتها مع مليشيا تابعة لها بصنعاء مكرسة بهذا السلوك سلطة الأمر الواقع، ما دفع بالقوى السياسية إلى الإحجام عن أي محادثات أو التوصل إلى أي اتفاق في ظل وضع تهيمن عليه المليشيا".

وفي سياق الشكوك اليمنية الموجهة لاداء بنعمر، اعتبر المحلل السياسي التميمي "ان بنعمر ومن وراء اندفاعه نحو الحصول على فرصة لتحسين وضعه الوظيفي في الأمم المتحدة، مارس بغباء شديد دوره كوسيط، وعمل ما بوسعه لتقوية سلطة المليشيا" مشيراً إلى ان تجاهل بنعمر للتأيد الشعبي العارم لعاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية والتي رأوا فيها مهمة أخوية جاءت كاستجابة عربية لطلب من رئيس شرعي للخلاص من تغول المليشيا الطائفية المسلحة، ومن محاولة يائسة للحلف الانقلابي الطائفي لفرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح".

من جهته قال الدكتور عبدالباقي شمسان استاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة صنعاء في حديثه ل "الرياض"ان تصريحات بنعمر الاخيرة امام مجلس الأمن، جاءت في ذات السياق محاولا تبرئة نفسه من تحمل تبعات من آل إليه الوضع في اليمن في حين كان بالإمكان على الأقل وهو يسلم مهامه لخلفه ان يكون اكثر وضوحاً وموضوعية وشجاعة في تحمل المسؤولية وتسمية الأشياء بمسمياتها ولو في اخر تقرير له الا انه لم يفعل كما كانت التوقعات".

*إخراج الشعب من المعادلة

وتابع الدكتور شمسان في حديثه ل "الرياض" حتى ما سمي باتفاق السلم والشراكة الذي اشرف وهندس له بنعمر في ظل احتلال الحوثيين لصنعاء كان يسعى من خلاله اجراء تسوية بين القوى المتصارعة حتى لو كانت موقتة بما يحسن رصيده الشخصي على حساب الشعب اليمني الذي سلمه مستقبله واحلامه بثقه ورجاء".

المبعوث الاممي السابق جمال بنعمر، الذي جاء بمهمة أممية لرعاية حوار سياسي يمني وفقاً لمرجعيات سياسية تمثلت في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ينتهي بالانتخابات، إلا أنه، وكما يبدو من خلال انزعاجه تجاه الخطوة العربية التي منعت سقوط الشرعية في اليمن، استبدل هذه المهمة الأممية بمهمة أخرى، هي إعادة تقسيم السلطة بين الاقوياء المستندين لقوة السلاح فيما الشعب اليمني يخرج من المعادلة تماما، فالمشكلة اليمنية نتجت في الأساس عن سيطرة طرف سياسي على السلاح واستخدامه لتثبيت وجوده في السلطة بعيدا عما يريده الشعب، وهنا تحدث المفارقة، فالرجل الذي جاء في مهمة أممية من اجل نزع السلاح من أيدي المتصارعين وإبطال تأثيره على ما يجري في اليمن، أشرف على تنامي حركة مليشاوية مسلحة أسقطت المدن حتى وصلت إلى العاصمة وأسقطت الدولة ولاذ الرجل بصمته إزاء كل هذا، وكأن مهمته كانت خنق السياسة بالعنف وليس توسيع التعامل بها.

في القضية اليمنية يمكن للجدل أن يخفي كثيرا من الحقائق على أن ثمة حقيقة واحدة يعجز الجدل بكل ما أعطي من حجج أن يخفيها وهي أن جماعة مسلحة نمت وانتشرت حتى قضت على كل الخيارات السلمية في الوقت الذي كان جمال بنعمر يدير حوارا سياسيا في الوقت الذي تتساقط فيه المدن بيد الميليشيات وهم على طاولة الحوار، فمحافظة البيضاء سقطت بينما كانت طاولة بنعمر تدير حوارا لا يفعل شيئا سوى منح الميليشيات الوقت اللازم لاستكمال التهام المدن.


تصريحات رئيس المكتب السياسي لجماعة الحوثي التي قال فيها إن جماعته أعلنت الإعلان الدستوري بالاتفاق مع بنعمر