لقد تعبنا من ترديدها، لقد تعبنا ونحن نقول: "القراءة نور، إنها الوصية التي أطلقتها أفواه الأنبياء"، ورغم ذلك لم يستمع لنا أحد، كنا مستيقظين، وكانوا نائمين. الدكتورة هنادا طه مديرة مشروع الإسهام في تطوير اللغة العربية وتعليمها بمؤتمر (عربي21) الذي ترعاه مؤسسة فكر تحت شعار "القراءة للجميع" تقول ذلك أيضًا، إنها تخبرنا هنا أن أطفالنا تم أسرهم بالوعظ المباشر، والأكثر ألمّا من هذا الجرح الغائر في أجيالنا التي ستأتي من بعدنا هو أن وزارات التربية والتعليم عربيّاً لا زلت ترفض الطرق المثمرة الأخرى، إنها تريد أن تعيد نفس الخطأ؛ لتصل إلى نفس النتيجة!.

  • بدايةً دكتورة وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نريد أن نعرف ما هو مؤتمر "القرائية للجميع" وما هي أهدافه بالتحديد؟.

  • مؤتمر القرائية للجميع هو مؤتمر مشترك بين مشروع الإسهام في تطوير تعلّم الّلغة العربية وتعليمها "عربي 21"، الذي تحتضنه مؤسّسة الفكر العربي وبين الجمعية العربية للقراءة "تارا". المؤتمر المشترك تحت عنوان "القرائية للجميع"، وذلك تكريساً لأهمية مفهوم القرائية في اللغة العربية، حيث يعرّف المفكّر الكولومبي باولو فرييري القرائية على أنها القدرة على فهم الكلمات وفهم العالم. القرائية في علم التربية الحديث هي تعلّم القراءة والكتابة؛ لأجل التفكير ولأجل فكّ رموز العالم من حولنا وفهمه. ففي مجتمعات واقتصادات المعرفة يصبح السياق اللغوي مرتبطاً بالمعاني وتعدّديتها واختلافها باختلاف السياق، ويصبح تغميس أو غمر الطلاب "باللغة" عوضاً عن تعليمهم "عن اللغة" هو الأساس، ويكون استخدام معايير واضحة وعادلة وحداثية لتعلّم اللغة هو المنحى المعتمد للتعليم.

يهدف مؤتمر القرائية للجميع إلى تحقيق التالي:

أ- نشر الوعي بالتعلّم والتقييم المبنيين على المعايير، واللذين يعدّان من أهمّ الممارسات العالمية الناجعة والفضلى.

ب- الاحتفاء بالتعلّم المبني على أدب الأطفال وذلك من خلال جائزة "كتابي" ونشر ثقافة أدب الطفل كركيزة للتعلّم والتعليم.

ج- التأسيس لفكرة مجتمعات التعلّم المهنية الرائجة في عالم التربية الحديثة، والتي تعتمد على لمّ شمل التربويين حول الممارسات الفضلى لفهمها بعمق وتجربتها بعد عودتهم إلى مدارسهم.

د- تعميق الفهم بمبدأ العدالة اللغوية، والذي تنشره فكرة التعلّم المبني على المعايير ومبدأ اللغة المعيارية الجامعة (الفصيحة). كما سيشمل المؤتمر فقرات فنية، يقوم فيها رسّامو أدب الأطفال بعرض خبراتهم وكيفية الرسم للأطفال. وسيعقد الكتّاب ورشات عمل عن الكتابة للطفل، فضلاً عن ورشات عمل تطبيقية من مدرّسين محترفين وجلسات نقاشية تدور حول أدب الطفل، وتعلّم اللغة العربية المبني على المعايير، وستكون هناك عدّة عروض لتجارب الدول المختلفة في تعمييم ونشر مفهوم القرائية.

*عربياً لا يتمّ التعامل مع أدب الطفل كصنّف من صنوف الإبداع بقدر ما يعامل بطريقة وعظية وهامشية، كما أن المؤسّسات الأكاديمية لا تقوم ببحوث حول أدب الطفل وعلاقته بتطوير الإدراك للصغار، كل هذا يدلّ على التجاهل التام لهذا النوع، ما السبب برأيك؟.

  • ليس التجاهل وحبّ الوعظ متعلّقين بأدب الأطفال وحسب، وإنما هما يختلطان بكلّ تعليم حكومي وشبه حكومي في معظم الوطن العربي. ولا أظنّ أنّ ذلك مقصوداً ولا متعمّداً، فهناك الكثير من الهيئات والوزارات التي تعمل جادّة على التحسين والتجويد، ولكن هناك فهما عاما خاطئا للتعليم والتعلّم في بلادنا وفكرة منتشرة خاطئة كذلك، مفادها أنّ التعليم ونشر الفضيلة يكونان بالوعظ المباشر وحسب، وأنّ أدب الطفل عليه باستمرار أن يعظ ويرشد. هناك مبادرات جيدة ظهرت حديثاً، وهناك بذرة أدب طفل عربي بدأنا نراه يبشّر بالخير ويشجّع الطفل على القراءة والتفكّر والتأمّل في المفاهيم والأفكار. برأيي المهم هو نشر مفهوم القراءة للقراءة، والقراءة لاكتساب الوعي وتعميق الفكر، وهذه كلّها غائبة عن المشهد التعليمي والأدبي الذي نراه موجّها للأطفال. نحن نحتاج إلى من ينادي بهذه الأفكار أولاً، ونحتاج إلى من يستمع ونحتاج بعدها إلى قرار سياسي جادّ، يؤمن بضرورة نشر الوعي والفكر والثقافة من خلال التعليم، الذي يركّز على الجودة، وعلى المعايير العادلة، وعلى أدب الأطفال، وفكرة التعلّم مدى الحياة فعلاً وفعلاً.

  • ألا تعتقدين أنّ انتشار القراءة وتعزيزها لا يأتيان من خلال الجوائز وإنما من خلال إنشاء جمعيات قرائية فعّالة يشرف عليها متخصّون في كافة المجالات؟.

-أوافق بأنّ جعل القراءة عادة عند النشء، لا تأتي من خلال جائزة، ولا من خلال مؤتمر، ولا من خلال مشروع واحد أو مبادرة، ولا حتى من خلال جمعيات القراءة. إن تكريس القراءة كثقافة، تحتاج إلى جهود لا يمكن أن تحملها مؤسّسة الفكر العربي أو بعض مؤسّسات المجتمع المدني. كي تصبح القراءة ثقافة لا بدّ لها أن تصبح جزءاً من مناهجنا في المدارس. طالما أنّ القراءة من كتب أدب الأطفال تبقى خارج إطار المدرسة، وطالما أنّ وزارات التربية والتعليم لا تعترف بالغالب بهذه القراءات ولا تجعلها جزءاً أساسياً من المناهج الدراسية، تماماً كما يحصل في الدول التي تقرأ، فإنّ انتشار القراءة وتعزيزها سيبقى محصوراً في أطر ضيقة وفي مؤسّسات قليلة تنادي بها.

*وفق علماء النفس والتربية فإن الطفل يخرج للعالم خلّاقاً مبدعاً لأنه يتساءل عن كل شيء، إلا أن التعليم يقتل كل هذه الخواص فهو يقوم وينتهي على التلقين في كل شي؟.

  • التعليم السيّىء التلقيني يقتل الإبداع وملكة التساؤل عند الطفل، ولكن التعليم الجيد والناجع والفعّال، يحتفي بأسئلة الطفل ويشجّع على التفكير والإبداع. المسألة مسألة جودة، التعليم في الوطن العربي يعاني من أزمة جودة، وتعليم اللغة العربية يعاني من أزمة جودة، وأزمة معلّم غير مدرّب تدريباً جيداً، ومدارس ووزارات تربية وتعليم تؤمن بكتاب مدرسي هزيل، يظنون أنه يجمع العلم بين دفّتيه، عوض إيمانها بأنّ العالم حولنا كلّه نصوص، أو بأنّ العالم أجمع نصّ وبأنّ التعليم الحقّ والجيد هو ذلك الذي يمكّن الطفل من قراءة هذا العالم، والتعايش مع اختلافه وجنونه وتغيّره اليومي وتناقضاته. طالما أننا نحن لا نُعدّ الطفل العربي للعيش والتعايش مع هكذا عالم وقراءته، فإنّ توقّع الإبداع سيكون عبثاً خالصاً.

    *ماذا هناك بعد مؤتمر "القرائية للجميع" وبعد جائزة كتابي؟.

    نأمل أن يكون التعاون المشترك من خلال المؤتمر ما بين مؤسّسة الفكر العربي ومشروع "عربي21" وبين "تارا " مستمراً، وأن تتكرّر التجربة التي من شأنها أن تجمع شمل المهتمين بتطوير تعليم اللغة العربية. كما نأمل أن تدفع الجائزة وخلفيتها التربوية والمؤتمر بأهدافه التي تركّز على أهمية القرائية، وزارات التربية والتعليم والهيئات الحكومية، للعمل الجادّ على تطوير القرائية في المدارس من خلال تبنّي التعلّم المبني على المعايير، ومن خلال تبني أدب الأطفال كركيزة أساسية لتعليم اللغات. تسعى مؤسّسة الفكر العربي من خلال مشروعها الرائد "عربي21 "، إلى تشجيع الهيئات الوطنية ووزارات التربية، على البدء بالتساؤل، وعلى البدء بمناقشة مدى نجاعة ما يفعلونه منذ عقود، وعلى التفكير الجادّ بتبنّي تغيير حقيقي في مجال تعليم اللغة العربية وتعلّمها. بعد المؤتمر والجائزة، نحن مستمرّون بمشروع "عربي21"، وسنركّز عملنا على بعض البحوث المتعلّقة بتعليم اللغة العربية، كما أننا سنواصل الاهتمام بفكرة تمهين وحرفنة أدب الأطفال العربي، وذلك من خلال المناداة به والعمل على تصنيفه، وسنركّز كذلك على توفير بعض الأدوات التي يستطيع المدرّسون استخدامها من خلال موقع المشروع الالكتروني.