يحرص الثّبيتي على تنويع الأشكال الشّعريّة في مدوّنته، ساعيا من وراء ذلك إلى اختبار الممكنات الجماليّة لكلّ شكل شعريّ. ولا عجب، فلكلّ شَكْلٍ شعريّ إرث من الأساليب الفنيّة المستعملة فيه تَسِمُهُ بمَلْمَحٍ خاصّ. ولقد كان الثّبيتي مدركا تمام الإدراك لهذا الأمر، فلم يسجن نفسه في شكل شعريّ بعينه، وإنّما عمل على استثمار طاقة مجمل الأشكال الشّعريّة، والانفلات في الآن نفسه من عقالها. فكانت تجربته أكبر من الأشكال، وإن اتّخذت منها سبيلا للتّعبير. وسنحاول في هذا العمل النّقديّ تقصّي مجمل الأشكال الشّعريّة الّتي تقلّبت فيها قصيدة الثّبيتي، في رحلة بحثها عن شكلها الأوفى لمتصوّر صاحبها للشّعر والشّعريّة.

1- القصيدة العموديّة وفتنة الشّكل القديم:

حقّا، إنّ الثّبيتي مفتون بقصيدة التّفعيلة، ولعلّه أحد أهم روّادها في ثمانينات القرن الماضي، ولا سيّما داخل المملكة العربيّة السّعوديّة، بيد أنّنا وجدناه حريصا على العودة إلى القصيدة العموديّة عودةَ بحثٍ وتجريب. من ذلك أنّنا نعثر، في دواوينه العديدة، ولا سيّما منها باكورة أعماله الشّعريّة "عاشقة الزّمن الورديّ"، على ضرب من الالتفات الوظيفيّ إلى القالب الشّعريّ التّقليديّ الأكثر تجذّرا في الذّائقة الشّعريّة العربيّة. ومن يتدبّر عودةَ الرّجلِ إلى القصيدة العموديّة، يدرك لا محالةَ أنّه يكتبها باحثا فيها عمّا به تكون مغايرة لتجارب الأسلاف، لا تقليدا لها، وإن اشتركت معها في البناء الإيقاعيّ العموديّ. إنّها الحداثة المتشكّلة في صلب الأصالة والنّابعة منها. وهذا لَعَمْرِي، أهمّ ما يَسِمُ تجربة الثّبيتي الشّعريّة ويميّزها. ومن أمثلة القصائد العموديّة في ديوانه الأوّل "عاشقة الزّمن الورديّ"، قصيدة "صوت من الصفّ الآخر" و"الرّحيل إلى شاطئ الأحلام" و"الخَطْبُ الجليلُ: في رثاء الملك فيصل" و"من وحي العاشر من رمضان"، وغيرها من القصائد المنظومة نظما خليليّا متينا لا يخلو من ابتكار في التّصوير والتّعبير. ولا شكّ، أنّ الثّبيتي على وعي تامّ بهيمنة المنحى العموديّ على تجربة البدايات لديه، ولا سيّما في ديوانه البكر.

بيد أنّ الثّبيتي لا يحرص على إبراز البناء البيتيّ للقصيدة العموديّة في فضاء الورقة، وهو بناء قائم على تطابق الصّدور والأعجاز. وإنّما يترك للقصيدة حريّة اختيار الشّكل الطّباعيّ، حتّى لَيخال الجاهلون بعروض الخليل أنّنا بإزاء قصيدة التّفعيلة، والحال أنّها قصائد عموديّة تتماوج فيها الأبيات تماوجا مقصودا يُراد به كسرُ رتابةِ شَكْلِ القصيدةِ العموديّةِ الطّباعيِّ على فضاء الورقة ومشاكسة أفق انتظار القارئ التّقليدي.

2 - قصيدة التّفعيلة وحريّة التّشكيل الشّعريّ:

تهيمن قصيدة التّفعيلة على شعر الثّبيتي، على أنّ الرّجل لا يجريها على نمط واحد، فأمثاله من الشّعراء الأفذاذ محصّنون ضدّ التّشابه. فمن يقلّب النّظر في أعماله الشّعريّة يجد أنماطا متعدّدة من قصيدة التّفعيلة تجسّد أقصى مراتب الرّغبة في اللّعب الإيقاعيّ الجادّ، حيث لا ائتلاف بين قصيدة وأخرى في معمارها الشّعريّ، وإنّما هو الاختلاف الكامل. وهذا، في تقديرنا، أهمّ ما يَتَفَرَّدُ به معمار القصيدة عند الثّبيتي. ويمكن أن نعرض لتجلّيات الحريّة في التّشكيل الإيقاعيّ في ثلاثة مستويات.

أمّا المستوى الأوّل، فمتعلّق بأطوال الأبيات الحرّة (نميل إلى استعمال مصطلح البيت الحرّ بدل السّطر الشّعريّ، لتجذّر مصطلح البيت في الشّعريّة العربيّة، ولارتباط مصطلح السّطر بالنّثر) . فقد وجدنا في مدوّنة الثّبيتي الشّعريّة حرصا على تنويع أطوال الأبيات الحرّة، فما من تماثل واضح في عدد تفعيلاتها إلاّ فيما ندر. فلئن كان مفهوم الشّعراء الرّواد للشّعر الحرّ ومعماره العروضيّ لا يعدو أن يكون توظيفا لمختلف استعمالات البحر الشّعريّ من تامّ ومجزوء ومنهموك، فإنّ الثّبيتي يخرق هذا التّصور لِيُسْهِمَ في بناء قصيدة التّفعيلة التّي تستمدّ ماهية وجودها من التّفعيلة أساسا باعتبارها الوحدة الوزنيّة الرّئيسة في النّظم الحرّ. وهذا ما يفسّر تنوّع أطوال الأبيات الحرّة في قصائد الثّبيتي، فمن بيت قائم على تفعيلة واحدة إلى بيت قائم على سبع أو ثماني تفعيلات أو أكثر. وهذا ما يؤكّد طواعيّة النّظم الشّعريّ في تجربة الثّبيتي الإبداعيّة، و"يمنح التّفعيلة قدرا أكبر من الحريّة لتمتدّ وتنحسر حسب ما تمليه الحالة الشّعريّة، ولتتمكّن من احتضان التّجربة الإنسانيّة وبلورتها"

وأمّا المستوى الثّاني، فعائد إلى نظام التّقفية المعتمد في قصائد التّفعيلة لدى الثّبيتي. وهو نظام يعكس بدوره مرونة النّظم، في شعر الرجل، وانضباطه، في الآن نفسه. وتُعدّ التّقفية المقطعيّة، أهمّ أنماط التّقفية المهيمنة على قصيدة التّفعيلة الحاضرة بكثافة في أعمال الثّبيتي الشّعريّة. وهي ضرب من التّقفية مستعمل بالأساس في قصائد التّفعيلة القائمة على البناء المقطعيّ. والرأي عندنا، أنّ احتفاء الثّبيتي به، عائد إلى اشتماله على مراوحة بين الائتلاف في القوافي الختاميّة لمقاطع القصيدة، من جهة، والاختلاف في القوافي الدّاخليّة الجوّانيّة لكلّ مقطع على حدة، من جهة أخرى. ومن أمثلة ذلك، قصيدة "أغنية".

وهذا النّمط من التّقفية بديع، ولقد تكثّف حضوره في مدونة الثّبيتي الشّعريّة، ولا سيّما في ديوانه الأخير "موقف الرّمال". ومن القصائد القائمة على التّقفية المقطعيّة: قصيدة "تعارف" و"قرين"و"الظّمأ" وغيرها كثير.

وثالث المستويات المتمحّضة لتجلّيات الحريّة في التّشكيل الإيقاعيّ، موصول باستدعاء اللاّزمة الشّعريّة، وهي بيت أو أكثر يتكرّر في مواضعَ معلومةٍ من القصيدة الحرّة، وينهض بوظائف عديدة تعنينا منها في هذا المقام الوظيفة الإيقاعيّة. والحقّ، أنّ الثّبيتي بارع في ابتداع اللاّزمة الشّعريّة، ووجه البراعة كامن في اختيار مواقع وقوعها من المقطع الشّعريّ. ولعلّ أجمل القصائد المطرّزة بلازمة شعريّة آية في الرّوعة قصيدته الشّهيرة التي جرت على الألسن إعجابا وافتتانا: "تحية لسيّد البيد". وقد اتّخذ عشّاق شعره من عنوانها اسما يجسّد شخصيّة الشّاعر في عنفوانها وتفرّدها، فعرف، من بعدُ، بسيّد البيد. وها هو الثّبيتي يُنشِدُ على تفعيلة المتدارك (فاعلن):

"سَتَمُوتُ النُّسُورُ الَّتِي وَشَمَتْ دَمَكَ الطِّفْلَ يَوْمًا

وَأَنْتَ الَّذِي فِي عُرُوقِ الثَّرَى نَخْلَةٌ لاَ تَمُوتْ

مَرْحَبًا سَيِّدَ البِيدِ..."

ومن المفيد التّذكير بأنّ اللاّزمة الشّعريّة لدى الثّبيتي لا تتكرّر كما هي في تماثل كلّيّ، فوعي الشّاعر الحادّ بخطورة التّماثل الصّوتيّ التّامّ، جعله محصّنا ضدّ الرّتابة. ولأجل ذلك، تقوم اللاّزمة لديه على المراوحة بين الاختلاف والائتلاف. فمع كلّ لازمة تتغيّر عبارة "في عروق الثّرى نخلة"، إلى "في حلوق المصابيح أغنية"، إلى "في قلوب الصّبايا هَوًى". وهو بذلك يبرهن على حيويّة اللاّزمة الشّعريّة، وقدرتها على الوصل إيقاعيّا والفصل دلاليّا.

3- تداخل الأشكال الشّعريّة في قصيدة الثّبيتي:

إنّ المتأمّل في شعر الثّبيتي يقف على افتتانه بلعبة التّشكيل الإيقاعي للقصيدة. فليست هي بالقالب الجاهز، وإنّما هي في عرف الرّجل حريّة في البناء لا متناهية، وسفر في الأشكال لا يتوقّف. ولم يكتف الثّبيتي بتجسيد هذه الحريّة في الأشكال الصافية القائمة على خيار جماليّ واحد على غرار القصيدة العمودية أو قصيدة التّفعيلة، وإنّما عمد إلى نحت أشكال شعريّة هجينة فيها مزج صارخ بين شكلين شعريّين مختلفين. والأمثلة على ذلك عديدة، ومنها قصيدة "القرين"، فهي متكوّنة من مقطع عموديّ وآخر تفعيليّ. ولا شكّ أنّ جريان المقطعين على تفعيلة واحدة (تفعيلة المتقارب) يؤكّد أن التّباين في معمار القصيدة كامن في أصل نشأتها، وليس هو بالمصطنع. فلم يعمد الشّاعر، مثلا، إلى الجمع بين الشّكلين عنوة، وإنّما هي اللّحظة الشّعريّة وتناقضاتها، من فعل فعله في بناء القصيدة فجاءت هجينة الشّكل: لا هي بالعموديّة الخالصة، ولا هي بالتّفعيليّة كليّا. فكانت من بديع ما كتب الثّبيتي ودرّة من درره الشّعريّة.

وهذه المراوحة بين حريّة البناء الإيقاعيّ متمثّلا في الشّكل التّفعيليّ من ناحية، وضبطه في شكل محكم على غرار الشّكل الإيقاعيّ التّقليديّ من ناحية أخرى، حاضر في قصائد شتّى من مدوّنة الثّبيتي، بطرق متنوّعة لا تشابه فيها. ففي قصيدة "موقف الرّمال موقف الجناس"، يعمد الشّاعر إلى تقييد الإيقاع نسبيّا، عبر استدعاء فنّ التّوشيح في موضعين من القصيدة بارزين متوافقين مع بنية القصيدة القائمة على مقطعين كبيرين. وهاهو الثّبيتي، وقد انقلب وشّاحا بارعا، يكتب على تفعيلة الكامل :

يَا بَدْرَهَا

وَهُدَى البَصِيرَةْ..

يَا فَخْرَهَا

وَهَوَى السَّرِيرَةْ..

يَا مَهْرَهَا

وَحِمَى العَشِيرَةْ..

يَا شَعْرَهَا

وَمَدَى الضَّفِيرةْ.."

إنّ تداخل الأشكال الشّعريّة في قصيدة الثّبيتي يعصمها من الرّتابة والتّماثل ويسمها بالمغايرة والتّمايز، ويجعل تجربة الكتابة الشّعريّة لديه سَفَرًا في الأشكال وترحالا لا مستقر له، إلاّ أَنْ يكون اللاّشكل حيث التّعدّد الأبديّ والتّنوّع الكليّ. بيد أنّ الثّبيتي في رحلة بحثه عمّا يمكن أن نصفه ب "اللاّشكل الشّعريّ"، لم يتخلّ عن عروض الخليل، وإنّما طوّره. ولم يتنكّب عن الوزن، بل وسّع من حريّته وإمكانات تبلوره.

الثّبيتي شاعر يسلك المغامرة سبيلا للمغايرة، فلم يتقوقع في شكل شعريّ بعينه، فرغم افتتانه بقصيدة التّفعيلة، إلاّ أنّه التفت عودا على بدء إلى القصيدة الكلاسكيّة تجريبا لممكناتها المجهولة واختبارا لطاقتها الفنيّة المكنونة. وهو إلى ذلك، حريص على تطوير قصيدة التفعيلة وتحريرها من شبح الرّتابة، وقد بدأت معالم الهَرَمِ عليها تظهر، ومُجِدٌّ في إنقاذها من النّمطيّة المقيتة، في تجربة كتابة موغلة في التّجديد، لا تنفكّ تبحث عن معمار القصيدة الأبهى وهَيْكَلِهَا الفنيّ الأرقى والأبقى. وهذا لَعَمْرِي، أهمّ ما يميّز مدوّنته الشّعريّة، مقارنة بمجايليه من الشّعراء السّعوديّين.

  • (شاعر وباحث جامعيّ تونسيّ)