يعتبر بعض المؤرخين أول تشكيل للجيش السعودي تمثل في "الستين" الذين خرج بهم الملك عبدالعزيز من الكويت عام 1319ه لاستعادة الرياض والذي تم فيما بعد تدعيمه وتشكيله على هيئة فرق محاربين. وبانتهاء مرحلة توحيد أقاليم المملكة شرع طيب الله ثراه بإعادة تنظيم الحاميات العسكرية الموجودة سابقا في الحجاز حتى صدر تشكيل مفرزة ينبع عام 1344ه من قسم مدفعية وقسم رشاش، كذلك تشكيل حامية جدة عام 1345ه

وفي عام 1348 ه رأى الملك عبدالعزيز وجوب مجاراة الجيوش الحديثة في التنظيم والتسليح فأمر بتشكيل أول نواة لوحدات الجيش السعودي النظامي من ثلاثة قطاعات سميت أفواج المشاة والمدفعية والرشاشات – وكان الفوج يتراوح ما بين 659 إلى 962 فردا وكان قطاع الرشاشات يتكون من أربع سرايا – في السرية حوالي 112 فردا، وثماني قطع رشاش – بعض أسلحتها من تلك التي غنمت في معارك التوحيد وقد أخذت هذه القوة النظامية تنمو تدريجيا إلى أن أسس بالعام نفسه مديرية خاصة للشئون العسكرية تعني بشؤون الجند وتشرف على هذه القوة وكان مقرها الرئيسي مكة المكرمة وعدت أول نواة لتكوين الجيش النظامي.

بعد تكوين هذا الجيش الفتي استعرضت وحداته أمام الملك عبد العزيز بمدينة جدة. في حوالي 1349ه وعندما زاد عدد القوات النظامية وكثرت الأعباء الإدارية والتنظيمية، اقتضت الحاجة تشكيل وكالة للدفاع مع استمرار وجود "مديرية الأمور العسكرية" وذلك في عام 1934م وجعل مقرها مدينة الطائف، وعين حينها الشيخ عبدالله بن سليمان أول وكيل لوكالة الدفاع في تشكيلها الجديد بالإضافة إلى مهامه كوزير مالية. رافق ذلك إعادة تشكيل وحدات الجيش إلى سلاح المشاة، وسلاح المدفعية، وسلاح الفرسان، وشكلت منها أفواج – كتائب – وألوية زودت بالأسلحة من رشاشات ومدافع وما تحتاجه من وسائل النقل وأجهزة اللاسلكي ووزعت على أنحاء البلاد حسب الحاجة الدفاعية، أنشئت لها مدرسة عسكرية في مدينة الطائف للاستفادة منها في تخريج الجنود وتدريبهم، إلا أنها ألغيت فيما بعد لانتفاء الحاجة أليها. وبتوحيد المملكة العربية السعودية تعددت المهام العسكرية وتنوعت اختصاصاتها فأعيد تشكيل المدرسة العسكرية في الطائف التي أصبحت مركزا للتدريب، وفي عام 1358 ألغيت مديرية الأمور العسكرية وشكلت بدلا عنها رئاسة أركان حرب الجيش المرتبطة بوكالة الدفاع، فبدأت هذه الرئاسة بتنظيم الجيش وتوحيد الزي العسكري لمنسوبيه وتحديد الشارات المميزة له، كما تم تشكيل أول فرقة مدرعة سميت الفرقة الأولى المدرعة للجيش وألحقت بالحرس الملكي بالرياض بعد إتمام تدريبها، وشكلت بعد ذلك الفرقة الأولى للخيالة "الفرسان" وشكل أول فوج مشاة متكامل، وبعد ذلك انتقلت رئاسة هيئة أركان حرب الجيش إلى الرياض تبعا لوكالة الدفاع ونتيجة للتوسع الهائل في أعمال الدفاع وزيادة متطلباته صدر عام 1362ه مرسوم ملكي يقضي بإنشاء وزارة للدفاع لتحل بدلا عن وكالة الدفاع، وعين الأمير منصور بن عبدالعزيز أول وزير لها، عندئذ بدأ إحضار الخبراء للاستفادة من خبراتهم في مجالات التدريب المختلفة، كما تم ابتعاث عدد من منسوبي الجيش العربي السعودي إلى البلاد العربية والصديقة للدراسة والتدريب، وأسست أولى المدارس للإشارة، واللاسلكي ومدرسة للصحة والإسعاف.

يقول الباحث والمؤرخ الانجليزي جون "عبدالله" فيلبي في كتابه "أربعون عاما في البرية" مشيرا إلى تلك الفترة وتحديدا عام 1946م. فرضت الاضطرابات العامة في العالم العربي على حكومة المملكة العربية السعودية ضرورة البحث عن السلاح مع محدودية الإمكانات المالية, وسبق أن أشرت إلى المبلغ الذي خصص من الميزانية للأمور الدفاعية والذي بلغ 800 ألف جنيه إسترليني. كنا قد أشرفنا في تلك المرحلة على نهاية موسم الحج. ومرة ثانية تجلت المشكلة في الوضع المالي برمته, كما تمت مباحثات مع الحكومة البريطانية بخصوص إرسال بعثة عسكرية إلى الطائف لتدريب الجيش السعودي الذي لم يكن من الناحية العملية موجودا مقارنة بجيوش البلدان المتقدمة باستثناء بعض الخليط من ناس عاديين وعدد كبير من الضباط العاديين إضافة إلى بعض القادمين من بلدان أخرى. واختير حينذاك الجنرال "روبرت بيرد" لتدريب هذا الخليط ووضعت تحت يده إمكانية محدودة بسبب شح الميزانية البريطانية. كان روبرت رجلا من أصل أيرلندي اكتسب خبرة واسعة من تحسين الوضع العسكري في السودان ومناطق أخرى .

وصل بيرد إلى المملكة آخر عام 1946م ليقوم بفحص المنشآت العسكرية الموجودة في الطائف وأخرى كان من المفروض أن يبدأ العمل في إنشائها. وصل ليعد الترتيبات الخاصة بمهمته التي اشتملت على تسعة ضباط آخرين, إضافة إلى 26 ضابطا غير متفرغ, وذلك لإعادة ترتيب الجيش السعودي. في تلك الأثناء تم تعيين الدكتور يوسف يس مترجما مابين البعثة البريطانية ووزير الدفاع الأمير منصور, وسبق ليوسف يس أن شغل منصب السكرتير الإعلامي في البعثة السعودية في لندن. وأتخذ وزير الدفاع من إبراهيم المعمر الذي كان يعمل عام 1918م مرشدا وصديقا لي وخالد السديري صماما للأمان مرافقا للبعثة البريطانية .

كانت الفكرة بشكل عام هي إنشاء جيش نظامي حديث مؤلف من 12 ألف مقاتل, وكانت هناك مشكلة تأمين الاعتمادات المالية اللازمة لتحقيق تلك الغاية, علما بأنه تم الاتفاق أن تؤمن البعثة البريطانية كافة احتياجاتها.

حضرت اجتماع اللجنة الاستشارية المكلفة بمهمة الإشراف على الاعتماد المالي المقترح والبالغ مليونا وثلاث مئة ألف جنيه إسترليني. وفي ذلك الاجتماع صرح ممثل وزارة المالية بأن المبلغ الذي تم تأمينه لم يتجاوز 850 ألف جنيه. نقل ذلك الخبر إلى الملك عبدالعزيز الذي غضب غضبا شديدا بسبب بخل عبدالله السليمان, وأفهمه فورا أن يعتمد المبلغ المقترح , وبالفعل لم يعد يشكل هذا الأمر صعوبة حقيقية. وفي نهاية عام 1951م أوكلت مهمة تدريب الجيش السعودي إلى بعثة أمريكية ,أدخل معها عناصر مصرية وعربية. وعندما جاءت ميزانية العام المالي 1954- 1955م. كانت وزارة الدفاع من أغنى الوزارات في المملكة إذ وصل احتياطها المالي إلى خمسين مليون جنيه. وبالمناسبة نقول بأن الحكومة الأمريكية كانت قد أعلنت عن استعدادها لتقديم قروض إلى المملكة بلغت خمسة وعشرين مليون جنيه, ولكن لم يكن ذلك القرض على شكل سيولة مالية, بل تعلق بأمور عينية مثل تقديم خمسة آلاف طن من الأرز والسكر, وعشرين ألف طن من القمح والدقيق وسيارات عسكرية واصلة إلى موانئ المملكة ومسحوبة من المستودعات الأمريكية العسكرية.