ها أنت اليومَ شاعر تكمل عمرك الخالد.. أكبر من العصفور وأرق من الفراشة، أكثر من الخيال وأصدق من الحقيقة، أبعد من الممكن وأدنى إلى المحال.. ها أنت اليوم شاعر يمنحك التاريخ استحقاقك والعالم نرجسيتك، والوجود ظلالك..

حين يقف العالم بك اليوم يدرك جيدا أنك واحد من سلالة بشرية غجرية الوجود.. ظلّت تهاجر وتتهجّر منذ آلاف السنين تبحث عن مدينة الجوهر الإنساني.. وكلما وقفت على تخومها المتمنّعة وهي المدينة ذات الجدران المتوهّجة والبيوت البركانية.. سكنتَ وحدك دائما حجرات براكينها.. صادقت هناك الفناء والخطر والغربة والتشرّد والسجون والوحوش وما صرعك غير الحب ولا بحثت فيها يوما إلا عن نفسك، ولا سألت عنك إلا صمتك.. لكنك بعد كل هذا لا تجيئنا حين تجيء إلا ببخور روحك ولا تغادرنا إلا بتذكرة الخلود..

أسألك أيها الشاعر.. ماذا لو لم تكن شاعرا؟!

هل سيكون للشارع وجه آخر يحدّثك عن ظلال المتعبين.. عن امرأة تركت عطرها عرضة للحلم ومشيتها نداء للخطيئة.. عن أخرى عبرته برفقة طفلها فماتت دونه تحت عجلات سيارة لا تجيد طريق القصيدة؟!

هل سيكون المطر غير منزلقٍ لهواجسك المنهكة بالفقر، حين تبني فيه وحدك كوخًا في قوس قزح.. حين تحاور من على هضبة غيمة نجمة خائفة من عراء السماء، أو أخرى ضلّت طريقها إلى الأرض،.. هل سيكون لهذه المدينة الخرسانية الصامتة صوت فيروز وقصائد جبران، إنها أسئلة لإجابات لن تدركها مالم تكن شاعرا.. يستطيع ما يحب.. حينما لا يحب ما يستطيع.. أسألك هل ستكون قادرًا لولا الشعر على أن تردّ السلام على الشمس.. أن تجاور القمر.. أن تهمس في أذن فراشة تدنو إلى النار، أن تستريح قليلا في مدينة التعب، أن تقرئ أطفالك سيرة الأحلام، وخديعة شهرزاد، ورقصة سيندريلا العابرة.

أسألك ماذا لو لم تكن شاعرًا..!

أعلم أن قلقك قصيدة وأنك إنما تحاول إسكات الأصوات لتقول الرؤيا، هكذا تماما يختزلك الصمت للكلام، واليقظة للنوم، والتذكّر للحزن، والنميمة للندم، والوقت للفراغ، والحلم للخيبة، والموت للخلود..!

.. أنت من قبيلة الشعراء ياصديقي وعليهم منذ فجر الكلام أن يستعيدوا أسماءهم، وينتظروا ميلادهم، ويدركوا موتهم، وحينما يتعاطون الحياة لا يبلغون من ظلالهم إلا عتمة دكنتهم، ولا من خطواتهم إلا زحام العابرين حولهم..

نعم أنت كل ذلك.. إذن فلتقف معي اليوم لتملأ الوجود غناءً والتاريخ دهشة، والخلود ذكرًا.. أعلم أنك لن تدرك يومك حينما لا تمتلك غدك، فأنت في ذمة الآتي كلما أطلت في انتظاره.. كأنك وحدك انتظار مالا يُنتظر أو حتى وديعة أمسك لغدك، لكنك اليوم هنا مثلي وهذه قصيدتك التي لن تعرفها قبل أن تلتقيها، ولن تعرّف بها إلا بحضورها.. فهي شمس بلا سماء وليل بلا توقيت .. مدينةٌ من الملح والسكر يرمي الناس فيها نفايات أوجاعهم وتواريخهم على أرصفة الظلال..!

هكذا بلا هويّة ولا تاريخ ميلاد محدّد ولا حتى زمن لا تكون فيه.. هي شيء لا تعرفه قبل أن يكتمل ولا تستكشفه قبل أن تحياه ولا تصدّقه غواية إلا حينما يفضح هواجسك ويأخذك رغما عنك إلى ما يريد هو لا ما تريد أنت.. تحضر في الغياب حتى حينما تغيب في الحضور، تتمدّد بامتداد خارطة الإنسان على الأرض فهي تعبيره الأول، وإيماءة الوجود له حينما يخصّه بها.. إنها شجرة الذاكرة التي تجتمع غصونها على الخضرة والظلال معا أيّا كانت ثمرتها.. ثم لا يعتريها الذبول..!