حينما أعدت قراءة العنوان وجدته مضللاً، فكيف يمكن للمعلومة أن تخطئ؟ وهل المعلومة كائن يملك حرية الاختيار بين الخطأ والصواب، هل انجذابي للمعلومة وقوتها خدعني وجعلني أعتقد أنها كائن عقلاني! لكنني سأترك العنوان المضلل لسبب ما في نفسي لا أعرفه لكنه قد يتضح لي في لحظة تجلّ فكري وحتى لا أتبع التضليل بالوهم سأعترف بأن لحظات التجلي الفكري في حياتي قليلة إن لم تكن نادرة، لأني أجد عقلي يزداد ضجة وفوضى فكرية كلما حاولت أعيد ترتيب حجراته، فما أكثر مصادر المعرفة وما أكثر المعلومات التي تستقبلها حواسك المختلفة، فهذه تستقبل رائحة تبقى في الذاكرة وأخرى تسجل لحناً

عذباً يرتبط بموقف ما، وثالثة تحفظ اسم شخص يغيب عنك في اللحظة التي تود استرجاع الاسم فيه فتقف عند ملامح الوجه وأول حرف متردداً وأخرى تسجل معلومة علمية تقلبها في ذهنك في محاولة لمزجها مع نسيج من المعلومات الأخرى لنضع نقطة قبل أن يأخذنا الكلام ونبدأ من أول السطر.

تمر في قراءاتك اليومية على كثير من نتائج الأبحاث العلمية التي تنشر أخبار عنها في الوسائل الإعلامية، وقد تجد نفسك محتاراً فهذه دراسة قد تناقض ما قبلها مما يجعلك تشكك في ما تستقبله من معلومات وأخرى تؤكد نتائج الدراسة الأولى فتشعر أنك في عالم من المتناقضات وتتساءل هل المشكلة في المصدر أم في طريقة تقديم المعلومة أم في فهمك لما هو منشور؟ بينما الحقيقة هي أبسط من ذلك بكثير وتتلخص في أنه لا يوجد مشكله. فالنتائج العلمية ليست مطلقة ويمكن نقضها حسب الأدلة والمعطيات، وما نقرأه من أخبار عن هذه الدراسات ونتائجها يصعب النظر له وتحليله خارج إطار المنظومة العلمية التي ينتمي لها. فاقتطاف أو اقتطاع المعلومة العلمية قد يحيد بها عن الطريق الصحيح وهذا يحدث أحياناً حين تحاول تبسيط المعلومة العلمية لنشرها في وسائل الإعلام العامة، فيتم اقتطاف المعلومة من سياقها العلمي وبالتالي تفقد مصداقيتها لأنها قد تكون موضع تأويل خارج الإطار المنطقي المحدد لها.

هنا قد نقع في مشكلة، فيطرح السؤال؛ هل يعني ذلك أن كل ما ينشر خاطئ؟ الإجابة طبعا بالنفي، لكن الملعومة الناقصة أو التي خرجت عن إطاراها العلمي السليم قد تؤثر سلبياً على الوعي في المجتمع المعرفي؛ فهل الحل يكون في حجب هذه المعلومات؟ الإجابة أيضاً ستكون بالنفي لأنه بذلك يفقد البحث العلمي تأثيره الاجتماعي ويصبح سجيناً في دائرة نخبوية ضيقة.. إذن ما هو الحل؟ إن نقل المعلومة بصورة خاطئة أو استخدامها في غير مكانها لتعزيز وجهة نظر أو لخدمة تسويقية مثلاً قد يعتبر تصرفاً غير أخلاقي حتى وإن كان غير مقصود.

إن ما نحتاج أن نعرفه هو أن للبحث العلمي قواعد وقوانين ومساراً، وأن المعلومة العلمية مهمة ووظيفتها أن تخرج للمجتمع، لكن يجب أن تخرج له بطريقة صحيحة ومهنية. لذلك فإن تواجد الصحفي أو الكاتب المتخصص في البحث العلمي مهم جداً لنشر ثقافة البحث العلمي السليمة وحتى لا تخطئ المعلومة طريقها أو تخرج عن إطارها المنطقي أو المنهجي.