لم يكن العم صالح مدركاً أن اطفال الحارة وشبابها قد يؤذونه في يوم من الايام، لم يكن يعلم أنهم سيُكَسِرُونَ لمبة دكانه "أم صفر"، من بعدها أصبح يردد مقولة "يامن شراله من حلاله عله"!.

صالح في كل يوم "يشرع/ يفتح" باب دكانه كجزء مبتور من بيته القابع على زاوية الحارة، يعتبرونه أهل الحارة ونيس لهم ومسلي خاطرهم في وقت الضحى، يقول ذات يوم وهو ممدداً رجلية على بساطه مع ابراهيم وناصر، هؤلاء يعتبرون اقرب الناس له في الحارة : "تراني فاتح ذا الدكان علشان اقضي لزوم حريمكم واكفيهم العنوة عن روحة الديرة في الشموس.. بس ما فكيتوني من بزارينكم؟ تراهم شقوبي!".

ابراهيم مد يده على سطل أخضر يضعونه لغسيل الفناجين والبيلات مملوء بالماء، اخذ ابراهيم منه فنجان كان يريد أن يصب قهوة ويكمل الحديث مع العم صالح، قال وهو مبتسماً:"الحين يا صالح أنت ما فتحت ذا الدكان الا علشان توسع صدورنا وتقضي حوايج حريمنا؟، تراك متكسبً منهم، والا وش مصبرك على ريحة صابون ابوعنز".

ناصر كان بينهم ممدداً رجليه يحرك عصاه، وكانه لم يكن بينهم، فجأة قال: "الحين ما عندكم الا (هواش) عن ذا العيال.. يكافي من جلسنا وانتم تحنشون على بعض"، يرد عليه العم صالح: "عاد وش نسوي بزارينكم كل ما ركبت لمبة "أم صفر" كسروها جعلهم الكسر".

ابراهيم شدَّهُ كلام ناصر.. التفت عليه وعدل شماغه، أي والله الناس سبقتنا وأحنا مغير ملاحق مع ذا "العيال/ البزران"! حتى في سواليفنا، عاد ابراهيم ليسكب القهوة لناصر الذي يكبرهم في العمر، مدها له متحدثاً: "الا وش نسولف فيه"، يتداخل صالح خلونا نسولف عن البلدية اللي ما وظفت عيالنا واهملت حارتنا.

يعاجله ناصر: "انت مهبول ما تدري أن الجدران تسمع.. ما قلنا لك "لاتحكي/ لا تحتسي" عن اللي ما لك فيه، والا تراهم بياخذونك وانت نايم!"، العم صالح تذكر هذه المقوله التي عمت الناس واصبح الكل يخاف أن يتحدث في أي شيء، كان الكل مرتهباً في الحارة، لا يستطيعون حتى مناقشة المدرسة بل وحتى المدرس وكل شيء خاضع تحت الإمرة، يخافون انها من صلب السياسة، يعتقدون أن المباحث تسمعهم، وكلما رأوا احداً تقبض عليه الشرطة، قالوا:" أكيد انه قايل(ن) شيء - يرددون ذاك المثل "لسانك حصانك أن صنته صانك"!.

تمر الأيام والحال كما هو يعودون للحديث عن الدكان ولمبة أم صفر التي تكسِرُها فوضوية الاولاد وطلبات النساء ومشاهدة "فرقنا" عندما يأتي في وقت الضحى واغلاق إذاعة طامي. تستمر حياتهم راكدة لا يعلمون كيف يتحركون ولا حتى عن ماذا يتحدثون.

بعد سنوات جاءت معدات تحفر الحارة وتعيد تسليك الكهرباء من جديد تحت الارض، بعدها سُفَلتِتَ الحارة بشكل جمالي أعطى مجالاً للحركة والنظافة اكثر من أول. كان العم صالح يرش الارض بالماء كلما فتح دكانه مهبطاً غبرة التراب، بعد الان ارتاح من هذا، حتى الاولاد يلعبون بحرية تامة. وهم كعادتهم يحتسون القهوة.

جاءهم شخص اسمه صدقة من المنطقة الغربية، يحتسي معهم القهوة ويحدثهم عن اهتمامات الدولة في ترميم الاحياء ونظافتها وحتى متطلبات الناس جميعاً، العم صالح وناصر وابراهيم مفنجلين اعينهم مرتهبين من حديثة، قال له ناصر: "يابن الحلال وش أنت تقول؟، ورى ما تسكت ترى الجدان تسمع.!"، ضحك صدقة على كلام ناصر وقال: "انت وهو مجانين والا ايه؟، احنا نتكلم عن رعاية الدولة للمواطنين وانتوا بتقولوا جدران بتسمع".

تركهم غاضباً وذهب، لكنهم عادوا لناقشهم الازلي وكأن حليمة عادت إلى قديمها.