لعل أول جملة قالها الأستاذ لطلبة الدراسات العليا في ذلك القسم العلمي التطبيقي كانت "أنت هنا لتتعلم لا أتوقع منكم اختراعاً يهز الدنيا ولا ادعاء تفوّق وتميّز على الآخرين"، قد تبدو جملته محبطة لمن يتوقعون أن الانتظام في الدراسات العليا هي بحد ذاتها ميزة تعطي لصاحبها الحق في أن يعتقد أنه أفضل من الآخرين، لكن من يعملون في المجال البحثي يعرفون أن الالتحاق ببرنامج بحثي أثناء فترة الدراسات العليا هي فرصة لتعلم الكثير عن هذا العالم الذي نجهله ونجهل قوانين وقواعد العمل فيه. الدراسة العليا هي مرحلة يكتسب فيه الطالب مهارات بحثية تؤهله للانتاجية العلمية بعدها، فما يحدث بعد ذلك هو المهم. فأنت كطالب تكون جزءاً من فريق علمي وتعمل ضمن توجيهات وإشراف مباشر من معلميك عليك أن تكتسب في هذه المرحلة الكثير، عليك أن تنمي معلوماتك في مجال تخصصك الدقيق، تتعلم طرقاً معملية وطرقاً منهجية في التفكير حتى يمكنك أن تستقل جزئيا في مرحلة ما من حياتك العملية كما عليك أن تطور مهاراتك التعاملية حتى يمكنك التواصل مع الأشخاص الذين ستتعامل معهم وتتعاون معهم مستقبلا. لا تعود الجملة محبطة لو نظرنا لها ضمن هذا الإطار الواسع لمفهوم الدراسة العملية البحثية، فحين تفكر في الأسبقية أو التميز فإنك تخرج عن دائرة أهدافك البحثية، فالباحث هو شخص يطرح سؤالاً علمياً ويحاول أن يجيب عليه من خلال الطرق البحثية التي يختارها، لذلك فإن انشغاله بفكرة الأسبقية أو التميز إلى حد الهوس قد تجعله غير حيادي في تناوله لمعطيات بحثه أو نتائجها. لعل الأستاذ هنا يحاول أن يضع الأمور في نصابها حين يذكر الطالب بأنه سيتعلم سيبحث سيدرس وقد يكتشف شيئاً لكن ما يكتشفه ليس سوى نقطة في بحر، فلا يوجد حل واحد لكل مشاكل البشر الصحية مثلاً، ولا يوجد شخص واحد يستطيع الإجابة على كل الأسئلة العلمية. عندما تكون عضواً في مجموعة بحثية أنت جزء من كل، ومثلك كثير لست في سباق ماراثوني معهم. وحين تختار مسار البحث العلمي فإنك في رحلة تعلم لا تنتهي بل تتجدد مع كل مرحلة تتخطاها حتى بعد أن يسبق حرف الدال حرف الألف! تظل تتعلم.