الارهاب مشكلة عالمية عانت منها كثير من الدول، وقدمت الكثير للقضاء عليه بشتى الطرق، وتبنَّت المملكة استراتيجية قائمة على رؤية ثاقبة ودراسات علمية، إيماناً منها أنَّ الإرهاب فكر يتحول إلى فعل، فبحثت مواجهته مواجهةً فكرية ترتكز على "مناصحة" المتطرفين والمُغرَّر بهم، كما أنَّها لم تغفل الحل الأمني في الجوانب التي يجب أن يكون فيها.

وكانت مواجهة الدولة للمتطرفين والمُغرَّر بهم تتمّ عن طريق لجان "المناصحة"، وذلك من خلال "مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية"، الذي يُعدُّ علامة فارقة على مستوى العالم في مواجهة الفكر الضال ومناصحة المغرر بهم وإعادتهم لجادة الصواب ودمجهم في المجتمع.

وتم تأسيس "مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية" بفكرة من ولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز "وزير الداخلية"، وحظيت الفكرة بدعم وتأييد من الأمير نايف بن عبدالعزيز –رحمه الله-، حيث صدرت التوجيهات الكريمة لجهات الاختصاص في "وزارة الداخلية" بتشكيل اللجان الشرعية من المشايخ وبمشاركة من العلماء الشرعيين والمستشارين النفسيين والاجتماعيين.

وبدأ المركز عمله عام (2006م) لاستيعاب المتورّطين في الفكر الضال وإعادة إدماجهم في المجتمع وتصحيح مفاهيمهم عن طريق الاستفادة من برامج المركز المختلفة، والوصول بالمستفيد منه لمستوى فكري آمن ومتوازن له ولمجتمعه، إلى جانب مساعدته على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية التي قد تواجهه بعد إكمال تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحقه، كما تساعد برامج المركز من غرر بهم لإدراك أخطائهم والعودة لجادة الصواب، والاندماج بالمجتمع مواطنين صالحين ومنتجين لصالحهم وأسرهم ووطنهم.

ولعله من المؤسف أن نجد أنَّ من بين من استهدف أمن الوطن ومارس القتل والاستخفاف بحرمة الدماء المعصومة واستباحتها، فئة كانت قد خضعت لبرامج "المناصحة"، ممَّن تمَّ الصفح عن خطئهم ومساعدتهم بكل الوسائل للاندماج في المجتمع من جديد، حيث شهدت بلادنا في الآونة الأخيرة أحداثاً مؤسفة على يد أفراد هذه الفئة، تمثلت في الاعتداء على بعض المراكز الحدودية، إذ راح ضحيتها عدد من جنودنا البواسل، إلى جانب ما حدث في بلدة "الدالوة" بمحافظة الأحساء من أحداث ذهب ضحيتها عدد من أبناء الوطن الأبرياء.

وأمام هذه الوقائع المؤسفة طرح البعض تساؤلات عدَّة حول فاعلية "مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية" وبرامجه التي تستهدف من تم التغرير بهم واستقطابهم للانضمام للجماعات الإرهابية التي تستهدف أمن المملكة واستقرارها، إلى جانب التساؤل عن الوسيلة الأفضل والأجدى لردع هؤلاء العابثين بأمن الوطن، ومع ذلك فإنَّ هناك تقارير أشارت إلى أنَّ نسبة قليلة جداً ممَّن تمَّ الإفراج عنهم بعد مناصحتهم سلكوا الطريق الخاطئ وعادوا أدراجهم لممارسة العنف والجريمة، وأكدت هذه التقارير على أنَّ هؤلاء لا يمثلون سوى نسبة قليلة لا ترقى إلى (10%) من اجمالي عدد من تمَّ إيقافهم وخضعوا لبرنامج "المناصحة"، وبالتالي فإنَّ هذه النسبة الضئيلة جداً لا تنفي بأيّ حالٍ من الأحوال فائدة المركز وتأثيره على النسبة الأكبر ممَّن وقعوا ضحية جهات خارجية سعت للتغرير بهم واستقطابهم وتجنيدهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ مخططاتهم الفاشلة الساعية للنيل من أمن الوطن واستقراره، ومن هنا فإنَّ "مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية" ببرامجه المتنوعة يبقى ضرورة حتمية لوقاية شباب الوطن من خطر التنظيمات والجماعات الإرهابية، مع ضرورة دعم المركز وتطوير برامجه الوقائية وعمل تقييم شامل لدوره خلال السنوات الماضية.


نجاح مركز المناصحة يجب أن يواكبه دور للجامعات والمؤسسات التعليمية

نتائج إيجابية

وقال "د. إبراهيم المشيقح" –عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم-: "إنَّ المناصحة مطلب رئيس ليست لهذه الفئة التي غُرِّر بها فقط، لكنَّها مهمة جداً لشبابنا على وجه العموم، ولا أحد ينكر إطلاقاً النتائج الإيجابية التي أثمرت عن المناصحة من خلال مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة"، مُضيفاً أنَّ المركز والعاملين فيه يؤدون دورهم على أكمل وجه، مُشيراً إلى أنَّهم قدموا خدمات كبيرة للمغرَّر بهم.

وأشار إلى أنَّ ذلك تمَّ بفضل الله، ثمَّ بفضل حُسن التوجيه والمرونة في التعامل معهم، مُضيفاً أنَّه يجب ألاَّ نغفل عن أنَّ أيّ عمل مهما يكن، فإنَّه من الصعب أن يتم الحكم بتمامه، موضحاً أنَّه لا بُدَّ من وجود سلبيات قد تظهر بعد أيّ عمل، مُبيِّناً أنَّ النتائج قد تبرز بشكل إيجابيّ عند البعض، ويستفيدون من هذه المناصحة، بينما هناك قلة قليلة جداً لا أجزم أنَّهم لم يستفيدوا من المناصحة، ولكنَّ الخلل إنَّما جاء بعد خروجهم من المركز.

خطأ الناصح

وأكَّد "د. المشيقح" على أنَّ ذلك يعني أنَّنا اليوم بحاجة ألاَّ نكتفي بهذه المناصحة فحسب، لأنَّها إذا نجحت مع أشخاص وإن كانوا هم الأكثرية، فقد تفشل مع القلة، مُشدداً على أهمية الالتفات لأسرة الشاب الذي تتم مناصحته واحتياجاتها ومتابعتها طوال فترة وجودة في التوقيف حتى خروجه من المركز، إلى جانب احتواء الشاب بعد خروجه من المركز مباشرة ومتابعة أحواله؛ للحيلولة دون وقوعه مرةً أخرى في الخطأ، وذلك من خلال البحث له عن فرصة عمل أو إكمال دراسته.

وأضاف أنَّه من الممكن أن يكون الخطأ من الناصح نفسه وليس من المنصوح، وذلك من خلال طريقة وأسلوب الناصح، موضحاً أنَّه جاء رجل إلى الإمام "مالك" وقال له: "إنَّ لي قريبا يعمل المعصية وأنصحه ولم يستقم، فهل أستمر؟، فقال الإمام: لا بأس، وربَّما نصحه غيرك فقبل منه"، مُشيراً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- كان صدره يتسع للجميع ويبتسم إليهم حتى حينما يأتيه المخطئ أو صاحب المعصية، مُبيِّناً أنَّه كان يحتضنه ويشفق عليه ويستمع منه، ثم يوجهه بعد ذلك.

هموم الشباب

وشدَّد "د. المشيقح" على أهمية معرفة هموم الشباب والأسباب التي أدت بهم إلى تلك الأفكار المنحرفة، على أن نوضح لهم ذلك بطريقة مرنة وأسلوب يتقبلونه، إلى جانب التحلّي بالصبر، وألاَّ ننتصر لأنفسنا من أجل أن نكوّن علاقة حميمة بين هذا الشباب وبين الناصح، لافتاً إلى أنَّه من الضروري عمل تقييم شامل لدور مركز المناصحة خلال السنوات الماضية، على أن يشمل ذلك عمل استبيان للمستفيدين، بحيث يوضح من خلاله نسبة وأسماء الذين لم يستفيدوا من المناصحة.


يجب تطوير البرامج الوقائية بمركز المناصحة والتوسع فيها

وبيَّن أنَّ ذلك لا بُدَّ أن يشمل أسماء المشايخ الذين وجهوهم، وذلك لمعرفة مصدر الخلل، إلى جانب عمل استبيان يساهم فيه الشاب داخل المركز للتعرف على السلبيات والإيجابيات والمقترحات من الموقوف نفسه، وكذلك إنشاء قناة تواصل بين الشاب الموقوف وعدد من أفراد أسرته ممَّن يُتوقع أنَّ لهم تأثير إيجابيّ عليه، إضافة إلى تكثيف زيارة والديّ الموقوف وإخوانه له، ودراسة نفسية الموقوفين من خلال علماء التربية وعلم النفس.

جهود غائبة

وأوضح أنَّ الإسلام دين وقاية قبل أن يكون دين علاج، وإذا وقع الإنسان بالخطأ جاء دور العلاج، مُضيفاً أنَّه حينما نتلمس ذلك على أرض الواقع، فإنَّنا لا نجد للوقاية أيّ دور في هذا الجانب، مُشيراً إلى أنَّ من يُسأل عن هذا هو الجامعات والمؤسسات التربوية والتعليمية ومؤسسات الوعظ والإرشاد والإعلام، مُبيِّناً أنَّه لا يوجد للجامعات وهذه المؤسسات –للأسف- أيّ أثر لخطة تخدم الشباب وتعزز ثقافتهم وانتماءهم وتحصينهم من الأخطار الفكرية.

ولفت إلى أنَّه على الرغم ممَّا يُقدّمه المركز من جهود في مجال المناصحة، إلاَّ أنَّ هذه الجهود غائبة إعلامياً، وبالتالي فإنَّ كثيرا من أبناء المجتمع لا يعرفون الدور الذي يقدمه المركز والجهود التي يبذلها، مُضيفاً أنَّ هذه الجهود يجب أن تتناغم مع جهود الجامعات والمؤسسات التعليمية، حيث إنَّ جهود المناصحة لا تقتصر على المركز فقط، ولكنَّها تمتد إلى الموقوفين في كافة أماكن توقيفهم، حيث أعدت خطة لتقديم النصح لهم طوال العام.

مفاهيم خاطئة

وأشار "د. علي الهزاع" –مستشار قانوني- إلى أنَّ مناصحة الفئة المغرر بهم من شبابنا منطلقها في الأصل إسلامي بحت، مُبيّناً أنَّ لنا في رسولنا –صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة في هذا الجانب بدعوته ونقله هذه الرسالة، إذ إنَّه لم يحمل سلاحاً حينما بدأ إلاَّ سلاح الدعوة مواجهاً الفكر بالفكر, مُضيفاً: "أين نحن من ذاك الزمان الذي كان فيه الكفر سائداً، بينما ظهر في زماننا هذا مجموعة من المغرر بهم, وهم على فطرة الإسلام، وأمر إعادتهم إلى المجتمع أيسر بكثير".


الجماعات الإرهابية تسعى للتغرير بالشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي

وأكَّد أنَّ الفكر لا يواجه إلاَّ بالفكر، ولو عدنا حسابياً إلى عدد الذين تم مناصحتهم ومن أثمر فيهم برنامج المناصحة لوجدنا أنَّ نسبة من لم يستفيدوا منه قليلة بالمقارنة بمن عادوا إلى مجتمعهم، جازماً أنَّ كثيراً من هؤلاء جند نفسه بقناعة تامة لاستقطاب عدد ممَّن كانوا معه إلى أحضان هذا المجتمع الصالح، لافتاً إلى أنَّ الفكر الضال لا يقابل بعنف، بل يجب أن يستمر البرنامج في دوره سعياً لتحقيق أهدافه.

وشدَّد على أهمية الاستعانة بأهل الفكر ومن لديهم قدرة على مواكبة الحاضر وما يستجد من أفكار يستطيعون عن طريقها الوصول إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى المغرر بهم، مُضيفاً أنَّ نظرة القيادة وولاة الأمر تختلف كثيراً عمَّا يراه الكثير ممَّن كتبوا حول هذا الموضوع، موضحاً أنَّ وليّ الأمر يرى أنَّهم أبنائه وهو مسؤول عنهم، سعياً منه إلى إصلاحهم والمحافظة عليهم، وذلك من منطلق كل راع مسؤول عن رعيته.

مؤشر ايجابي

وأوضح "عبدالعزيز المسند" -مدير عام التطوير بفرع وزارة المياه بالقصيم- أنَّ مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة يُعد ناجحاً بشكل كبير، كما أنَّه أظهر نتائج باهرة مع عدد ممن سلكوا طرق خاطئة مخالفةً للاعتدال ولرؤية كبار العلماء في بلادنا، مدللاً على ذلك بأنَّ (90%) ممَّن تمت مناصحتهم سلكوا الطريق الصحيح وعادوا إلى حظيرة المجتمع وإلى علمائهم المعتبرين في بلادنا، إلى جانب البعد عن الأفكار التي سبق أن غررت بهم من خلال أشخاص مغرضين.

وأكَّد أنَّ هذه النسبة تُعدُّ مؤشرا إيجابيا ومشجعا للاستمرار في أهداف البرنامج والعمل على تطويره، مُشيراً إلى أنَّ ما يقارب (10%) ممَّن يتوقع أنَّ برنامج المُناصحة لم يجد نفعاً معهم، وحدث منهم ما حدث من الانجراف مرة أخرى والانسياق مع الأفكار الضالة، يمكن إعادة تأهيلهم مرة أخرى من خلال دراسة نفسياتهم عن طريق مختصين في علم النفس وعلم الاجتماع، إلى جانب تأثير الحالة الاجتماعية لهم.

وأضاف أنَّ ذلك سيُفضي إلى الخروج بنتائج إيجابية تضفي المزيد من المؤشرات الايجابية الدالة على إفادتهم من برامج الاستقصاء الدقيقة عن أحوالهم، مُشدداً على أهمية تنويع الأشخاص القائمين على برامج المناصحة واستقطاب أشخاص متمكنين قادرين على دراسة فكر الشباب والأفكار المتطرفة والإلمام بجميع الأسباب التي أدت إلى تأثرهم السريع بالفكر الضال، وكذلك دراسة أحوالهم الاجتماعية والأسرية والاقتصادية ومعالجتها.


د. إبراهيم المشيقح

د. علي الهزاع

عبدالعزيز المسند