يسكن المدرس الفلسطيني مصطفى في بيت صغير على زاوية الحارة، ربما كان مستمتعاً بأجواء الحارة ليزيح عنه همَّ الغربة والوحدة، العم أحمد ذاك السمين مدير المدرسة, طلب من مصطفى أن يعلم التلاميذ كل المواد رغم اختصاصه في مادة الحساب، مصطفى النحيل الذي يلبس بدلة نصف كم, له رؤيا ان سكنه في الحارة كان بسبب قرب المدرسة من بيته. لا يعرف أي شيء في الرياض يعلم أن خط سيره كان لاجئاً في مصر ثم انتقل بعقد إلى الرياض التي أثارته لهجة ابنائها وعاداتهم.! رغم محاولاته الجادة أن يتعلم منها.

ذات يوم في وقت الظهيرة, لفت انتباهه خروج الإولاد من البيوت محملين بأواني طبخ يتبادلونها بين الجيران. كان غالبهم يخرج من بيته محملاً بقدر ملفوف ب"فوطة" مقلمة أو كرتون يضعه فوق رأسه، كل منهم يدخل بيت الآخر ليعطيهم ما أعدته والدته من طبخ - يحتسبونها - أجر وزيادة وصل بينهم، كُل منهم يراها بهذا الشكل.

ذات يوم ارسلت أم خالد قِدَراً به جريش مغطى بطبقة من الكشنة و"الحبحر" ولحم حاشي للمدرس مصطفى، قالت لابنها خالد وهي تلف القدر بالفوطة :" خذ وانا أمك..وده لاستاذكم الفلسطيني، خله يتنقد مسيكين بطنه خاوي"، ذهب خالد لكنه لم يتحمل حرارة القدر وهو واقف عند بيت مصطفى، وضع القدر على الارض واخذ "حصاة" من الأرض وبدأ يضرب بها الباب، لكن مصطفى لم يجب.!.

لم يعلم ان مصطفى خارجاً من بيته، لحراج الرخوم, كان يريد شراء ادوات للطبخ، هكذا علمه صالح راعي الدكان. قال له حينها:" رح لحراج الرخوم (دوكاه/ناظره) عند المقصبه دامك تعرف تطبخ".

عاد خالد إلى البيت ليخبر امه ان هذا الفلسطيني غير موجود في بيته، في تلك الأثناء عاد مصطفى إلى بيته.! بينما أم خالد اخذت قدرها وعادت مع خالد إلى بيت مصطفى، تضرب الباب بيدها.

المفاجأة انه فتح الباب مبتسماً لهم .. ام خالد فاجأته بصوت مرتفع :"هماه جاين لك بيعطيك الهناه.. وراك ياكافَّي ماهجيت له؟".

لم يفهم مصطفى أي كلمة قالتها ام خالد، تفنجلت عيناه مستغرباً ينظر إلى خالد. ثم يرتكئ على بابه الحديدي ويعود بالنظر إلى أم خالد:" شو هاض الحكي والله عيب بتحكي هيك.!" مشكلته لا يعرف ماذا تقول وعن ماذا تتحدث.!، لكنه فهم من حركة يديها "وخرفشة الغوايش" إذ خيل له أنها غاضبة, ويبدو له انها تشتمه.!.

أسرع صالح راعي الدكان ليفض النقاش بينهم، قال له يامصطفى تقول ان الولد جاي لك بيعطيك الاكل وسط القدر وانت مافتحت له ". بعد تنهيدة قال مصطفى:" مابزبطش الحكي هاض كأنوا اختراع..شو هاض"، العم صالح:" هاه فهمت يا أستاذ؟" مصطفى مبتسماً:" اه والله فهمت.!، بجد استغربت ناس محترمه وماشوفتش منهم أشي" يلتفت العم صالح وعيناه على الارض:"روحي يا أم خالد كثر الله خيركم، وهذا خليه علي بعلمه وشلون يسولف مثلنا". مصطفى:"أي والله يا صالح بدي اتعلم منك الحكي هاض من شان أرتبوا ع مزاجي".

بساطة الناس تغنيهم عن اشياء كثيرة، تربوا على عادات مميزة من المجتمع حتى اصبح الغريب متقمصاً العادات وملتزماً بالتقاليد، أم خالد والعم صالح راعي الدكان مثال على طيبة أهل الحارة.