لم تكن الرياض بداية الستينات الميلادية الا شاهدةً على عصر ذهبي في صناعة الفن والفنانين وقيادة أول مجموعات موسيقية وبثَّ الاعمال خلال إذاعة "طامي" قبل أن تظهر محلات بيع الاسطوانات والتي جاورت جامع الديرة "جامع الامام تركي".

المحلات هذه كان موقعها غريباً حين استذكاره, كانت ملتصقة بالجامع عند زاويته الشرقية الجنوبية دون اداء صاخب مضاد من المجتمع أو مطالبة لنفي الفن او لسماع الأغنية, حين فتحت ابواب المحلات على إتجاه الجنوب محتضنة ساعة الرياض الشهيرة بالصفاة الباقية بشموخها إلى هذا الوقت.

يستمد اصحاب هذه المحلات نشاطهم وفتح أبواب محلاتهم بعد القرار الذي انصفهم في مزاولة نشاطهم في مساهمة وبروز ثقافة الأغنية وتسجيل الفنانين أغانيهم دون عنوة وسفر إلى البحرين أو العراق ولبنان ثم طبعها في اليونان أو دول اخرى.

بعد انتفاض هذه الثقافة وعلوا كعبها فنياً واجتماعياً وفتح اذاعة الرياض وبعده التلفزيون, ساهمت في نمو المواهب وبروز مستوى الفنانين على مستوى المملكة العربية السعودية, حتى اصبح التنافس بين تلك المواهب على أشده.

يبين الراحل عبدالله النصار في آخر حديث له مع "الرياض": أن الفنانين كانوا يمرون على سوق الاسطوانات علهم يُطَلبُونَ وبعضهم كان قد وقع "مكاتبة/عقد" مع صاحب الاسطوانات لمدة سنة أو سنتين أو عدد من الأسطونات, وهذا ينطبق على العازفين او ان بعضهم يطلب من نفس المحل".

من ذاكرة بن نصار الفنان والعازف النهم على عدد من الآلات الموسيقية :" أنه لحن لحجاب بن نحيت وعزف له أولى اغانيه التي اشتهر بها في تلك الفترة – يابوي انا- 1964 ".

بعد مضي أكثر من سبع سنوات وصراع على افضلية الفنانين في سوق الاسطوانات والتي لم تتعد مبَّرحها ومكانها.. حدثت صناعة أخرى لم يكن يتوقعها اصحاب محلات الاسطوانات الذين اخذوا يتجادلون في ماهية تحويل محلاتهم إلى نظام لا يعرفونه وينتقلون إلى شيء آخر وعلم جديد في التسجيل .

التكنلوجيا الجديدة, كانت حديث الناس في سوق الاسطوانات كانت مثار دهشتهم, كان العالم قد سبق العرب بشكل عام في ضخّ الشرائط والتي سميت حينها, "شريط ماكسيل" كأول ظهور لهذه النوعية الصغيرة والتي تتسع لمجموعة هائلة من الأغاني, بعض هذه المحلات قد سجل اسطوانات ثم تم ايقافها منتظرين وصول اشرطة الماكسيل, كاسطوانة الفنان حمدي سعد – من فارق الخلان- والتي سجلت أسطوانة "1969م" وأوقفت واعيد نشرها عن طريق شريط الماكسيل "1971م" قبل ان يصورها التلفزيون السعودي عام "1972".

في تلك الايام بدأت السيارات بتركيب أجهزة التسجيل منفرده, كان الراديو وحيداً في السياراة , استغل بعض الباعة المتجولة منفذ بيع الاشرطة على سحارة معلقة على اكتافهم, كانوا قبل ذلك يبيعون"التتن/الدخان" منفردة في غالب الأحيان. قبل أن تتيح وزارة الاعلام فتح محلات بيع الكاسيت والتي ابتدأت رويداً في الانتشار.


جهاز تسجيل الاغاني ونقلها للاسطوانة ثم الكاسيت

أبو هيب – رحمه الله - من أهم رجال صناعات الاعمال الفنية وتوزيعها, ظل متابعاً للحركة الفنية منّذ بزوعها في نجد عصر الاسطوانات ورفيقاً للفنانين والمنتجين, اهتماماته متابعة الفنانين نشاطهم وتسكين إرثهم مجدولاً من الريلات إلى طبعها اسطوانة إلى وصول الكاترج وكاسيت مكسل, منّذ ذاك التاريخ والجميع يقلد نشاطه ويفتتح الاستريوهات التي تطبع الاشرطة وتبيعها, لكنه ظلّ وحيداً جامعاً تركة عظيمة "حضارة الأغنية السعودية في نجد".

أبوهيب كان محدثاً عن تفاصيل وجزئيات العمل الفني في نجد ودخول الفنانين الاخرين. مع شريط ماكسيل وظهور شريط "كاترج" الذي صمم على بعض السيارات الامريكية لكنه لم يستمر في ظل سيطرة الشريط واقتناء الناس لاجهزة التسجيل.

الاستريوهات بدأت تنتشر في "حلة العبيد/ الاحرار" البطحاء , ثم في منتصف السبعينات امتدت في شارع العصارات كان منها "منار الرياض" و"هتاف" التي يمتلكها الراحل سلامة العبدالله. واستريوهات الشميسي القديم وطلعة أم سليم, والاستريو الشهير "أنغام وأوتار" بينما كان استريو "أريج الرياض"..هذا بالذات كان مكملاً نشاطه وبيع الاشرطة للفنانين ومهتماً في توزيع وبيع اشرطة المطربات السعوديات ك سارة مسيفر وسارة عثمان وحياة الصالح والغندرة وغيرهم.

سنوات من التنقل الحضاري في سماع الفن والتنقل مع التكنلوجيا الحديثة.. يقول أبوهيب - رحمه الله - كان المنتجون "اصحاب محلات الاسطونات" مهتمين في اكتشاف الفنانين وتقديم الفرص لهم والا لما سمعنا احداً حتى هذا الوقت, مستذكراً – غفر الله له- فهد بن سعيد الذي فشل في أولى اسطواناته بعد وساطة من الشاعر سليمان بن حاذور الذي تبنى موهبته لكنه نجح نجاحاً باهراً في اسطوانة "فكرت والمكتوب - 1964" وبزغ العديد من الفنانين امثال سلامة العبدالله وبشير شنان وابن حسين وغيرهم, قبل الانتقال إلى الكاترج وشريط الماكسيل.!,الذين ساهما في تقلب سوق الاسطوانات وابتعاد الكثير منهم.

لدى ابوهيب "رحمه الله" تركة حضارية كبيرة تفوق كل مكتبات الاذاعات, لكنها اهملت وانتثرت وبيعت. هذه التركة حضرت منذ مطلع الستينات وحتى بعد الألفين, شاهدة على عصر الفورة الفنية وبدايات الأغنية وحضارتها في عصر تصالح المجتمع.


الأشرطة القديمة منها شريط ماكسيل

«الديرة» محلات بيع الاسطوانات بالرياض «1963م»