يعدّ "حافظ وهبة" أحد أبرز سفراء ومستشاري الملك عبدالعزيز -رحمهما الله-، عمل في الدولة منذ بدايات تأسيسها، وتنقل من بلد إلى آخر، عمل صحافياً في بداية حياته في "الحزب الوطني بالقاهرة"، وغادر (مصر) إلى (تركيا)، ومن ثم ارتحل إلى (الهند)، وقام بنشاط سياسي فيها، بعدها توجه إلى الخليج، حيث نزل في (الكويت)، وتوطدت الصداقة بينه وبين شيوخها وأمرائها، إلى أن استقر به المقام في ديوان الملك عبدالعزيز، فأوكل إليه العديد من المهام وكلفه بأمور تنظيمية ودبلوماسية عديدة، وكان مصدر ثقة ومحل أمان عند الملك المؤسس والأسرة الحاكمة.

نال ثقة المؤسس وعيّنه في عدة مناصب واختاره مستشاراً وسفيراً ووزيراً مفوضاً

نال الشيخ ثقة الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، فقام بتعيينه في عدة مناصب، حيث كان مستشاراً للملك في الشؤون الخارجية عام 1342ه الموافق 1925م، ومساعداً للنائب العام الأمير فيصل عام 1344ه الموافق 1925م، وعيّن مديراً للمعارف عام 1345ه الموافق 1926م، ثم وزيراً مفوضاً لدى (المملكة المتحدة) عام 1349ه الموافق 1930م، بعد ذلك عيّن وزيراً مفوضاً في (هولندا) عام 1350ه الموافق 1931م )، ثم سفيراً لدى (المملكة المتحدة) عام 1378ه الموافق 1958م، ومثّل حكومة المملكة في (لندن) ل"مؤتمر البريد الدولي" عام 1348ه الموافق 1929م، وهي الدولة التي نفته حكومتها من بلاده عند احتلالها لبعض الدول العربية، ليصبح رسميًا أول سفير سعودي في (بريطانيا)، كما ترأس وفد المملكة للقاء وزير الخارجية العراقي للتمهيد لعقد مؤتمر (لوبن) في الكويت عام 1349ه الموافق 1930م، إضافةً إلى عضويته في وفد المملكة مع الأمير فيصل بن عبدالعزيز -وزير الخارجية آنذاك- لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية عام 1363ه الموافق 1943م.

ويعدّ الشيخ "حافظ وهبة" من أوائل الذين أوفدوا إلى الخارج لافتتاح أول ممثليات سعودية، وقد دونت أسماؤهم في الكتب التي تناولت العلاقات السعودية الخارجية، وظل وفياً للمملكة ولقيادتها منذ عهد الملك عبدالعزيز إلى عهد أبنائه سعود وفيصل، حيث توفي -رحمه الله- في أواسط الثمانينات الهجرية من القرن المنصرم.


الشيخ حافظ وهبة

مسيرة حافلة

هو حافظ وهبة بن رفاعي وهبة ولد في عام 1307ه الموافق 1889م، وفي رواية أخرى بأنّ ميلاده كان في عام 1309ه الموافق 1891م، كما جاء في معجم السفراء السعوديين أنّه مصري الأصل والمولد والمنشأ، تعلّم مدة قصيرة ب»الأزهر» و»مدرسة القضاء الشرعي»، ولم يكمل دراسته، وعمل في «صحافة الحزب الوطني بالقاهرة»، وغادر (مصر) إلى (تركيا)، واشترك بالكتابة في صحيفة «الهلال العثماني»، التي كان يصدرها «عبدالعزيز جايوش»، ثم ترك (تركيا) ورحل إلى (الهند)، وقام بنشاط سياسي فيها، وتعرف في (بومباي) على بعض تجار الجزيرة العربية هناك، ثم توجه إلى (الكويت) عام 1915م، وتوطدت الصداقة بينه وبين أمراء وشيوخ الكويت، فكان يحضر مجالسهم ومنتدياتهم التي يستقبلون فيها الزوار الرسميين والوفود الدبلوماسية، وهناك التقى بالملك عبدالعزيز -عند زيارته للكويت-، وكان حين تواجده في (الهند) قد تعرض لمطاردة الإنجليز، الذين اعتقلوه، كما كانوا يلاحقونه في (مصر) قبل هجرته منها، ولم يكن ذلك إلاّ لمواقفه النبيلة تجاه الاحتلال الإنجليزي لبعض المناطق والدول العربية.

كان «وهبة» قد التقى بالشيخ «عبدالرحمن القصيبي» في إحدى سفرياته، وكان القصيبي وكيل الملك عبدالعزيز في البحرين، وهو الذي اقترح على «وهبة» أن يكتب إلى -سلطان نجد آنذاك- عبدالعزيز آل سعود، وفعلاً كتب «وهبة» للسلطان عبدالعزيز رسالة في ذي الحجة 1341ه، عرض فيها بأدب جم رغبته في العمل بديوان الملك، وفعلاً أعجب الملك بالخطاب والأسلوب والصيغة التي كتب بها، كما أعجب بجودة خطه وانتقائه للعبارات الرصينة، فدعاه للقدوم إلى (الرياض)، التي انتقل إليها عام 1923م.

المناصب التي تقلدها

نال الشيخ «حافظ وهبة» ثقة الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، فقام بتعيينه في عدة مناصب، حيث كان مستشاراً للملك في الشؤون الخارجية عام 1342ه الموافق 1925م، ومساعداً للنائب العام الأمير فيصل عام 1344ه الموافق 1925م، وعيّن مديراً للمعارف عام 1345ه الموافق 1926م، ثم وزيراً مفوضاً لدى (المملكة المتحدة) عام 1349ه الموافق 1930م، بعد ذلك عيّن وزيراً مفوضاً في (هولندا) عام 1350ه الموافق 1931م )، ثم سفيراً لدى (المملكة المتحدة) عام 1378ه الموافق 1958م، ومثّل حكومة المملكة في (لندن) ل»مؤتمر البريد الدولي» عام 1348ه الموافق 1929م، وهي الدولة التي نفته حكومتها من بلاده عند احتلالها لبعض الدول العربية، ليصبح رسميًا أول سفير سعودي في (بريطانيا).


الملك فيصل والملك خالد وحافظ وهبة

كما ترأس وفد المملكة للقاء وزير الخارجية العراقي للتمهيد لعقد مؤتمر (لوبن) في الكويت عام 1349ه الموافق 1930م، إضافةً إلى عضويته في وفد المملكة مع الأمير فيصل بن عبدالعزيز -وزير الخارجية آنذاك- لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية عام 1363ه الموافق 1943م، حيث كان الشيخ «حافظ وهبة» ضمن كوكبة مستشاري الملك عبدالعزيز، أمثال: «خالد الحكيم» و»القرقني» و»د.عبدالله الدملوجي»، الذين أوفدوا في مهمات سياسية إلى زعماء دول مجاورة أو صديقة، أو للمشاركة في مباحثات حدودية ونحوها، ويعدّ الشيخ «حافظ وهبة» من أوائل الذين أوفدوا إلى الخارج لافتتاح أول ممثليات سعودية، وقد دونت أسماؤهم في الكتب التي تناولت العلاقات السعودية الخارجية، خاصةً بعد إنشاء وزارة الخارجية السعودية عام 1930م، وتعيين الملك فيصل كأول وزير لها.

العلاقة ببريطانيا

وإبان تعيين الشيخ «حافظ وهبة» سفيراً للمملكة في (بريطانيا) تحت مسمى «وزير مفوض سعودي في لندن» في عام 1930م، كان له بصمات واضحة في تطوير العلاقات بين الدولتين، وفق الإطار الدبلوماسي والسياسي، وتمكن من حل كثير من الإشكالات والمواقف السياسية من خلال الحوار والتفاوض، كما تمكن من الارتقاء بالتعاون السياسي والاقتصادي بما يخدم المملكة وقضايا الأمتين الإسلامية والعربية، كما كان «حافظ وهبة» من الأعضاء المؤسسين ل»المركز الثقافي الإسلامي والمسجد المركزي» في (لندن) عام 1944م، الذي يعد من أقدم وأضخم المراكز الثقافية الإسلامية في أوروبا، إلى حين تقاعده عن عمله الدبلوماسي عام 1386ه الموافق 1966م، أي قبل وفاته -رحمه الله- بسنة، -وفقاً لما ورد في معجم السفراء السعوديين-.

توثيق مرحلة التأسيس

وثّق الشيخ «حافظ وهبة» في كتابيه (خمسون عاماً في جزيرة العرب) و(جزيرة العرب في القرن العشرين) حياة، وأعمال الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، ورحلاته، ولقاءاته الدبلوماسية، والرسمية، وكذلك حياة الملك سعود والملك فيصل -كما فعل كثير من مؤرخي تلك الحقبة-، وقد كان الشيخ «وهبة» مهتماً بتوثيق رجالات الجزيرة العربية، كما عرف عنه شدة الملاحظة والدقة في انتقاء الكلمات والمفردات التي يعبر بها عن الأخبار ومجريات الأحداث التي حضرها وتعايش معها، وكان -رحمه الله- شاهداً على كثير منها، حتى أصبحت كتبه مراجع أساسية، ضمن مجموعة الكتب والمدونات التي عكف على إعدادها عدد من مؤرخي القرن الرابع عشر، والذين تناولوا في نتاجهم العلمي تاريخ المنطقة العربية على وجه العموم وتاريخ الجزيرة العربية بوجه خاص.


الشيخ حافظ من رجالات المؤسس المقربين

وقد أعاد طباعة كتابه (جزيرة العرب في القرن العشرين) عدة مرات، وزاد فيه سنة 1375ه الموافق 1956م. وقد تحدث فيه عن بلدان وأقاليم الجزيرة العربية، ك(الحجاز) و(نجد) و(الأحساء) و(البحرين) و(قطر) و(عسير)، من الناحية الجغرافية، والتاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأسهب في وصف طبيعة البلاد وطرق المعيشة لدى السكان، ولأنّ من ضمن المهام التي أسندت إلى الشيخ حافظ وهبة -رحمه الله- القيام على برامج التعليم المنتظم في المملكة، فقد تحدث في مؤلفاته عن الصعوبات التي واجهت قطاع التعليم في بدايات تأسيس المملكة، كما تحدث عن تقدمه و تطوره من خلال قوله: «لم تكن توجد في البلاد مدارس تذكر في زمن الأتراك، وما وجد منها كان ابتدائياً قليل النفع، ففي إقليم الأحساء لم يؤسس بعد إعلان الدستور العثماني إلاّ مدرسة صغيرة واحدة»، ثم يصف البدايات في انتشار العلوم والمعارف من خلال نشر المدارس والمعاهد ومدارس محو الأمية.


مؤلفات الشيخ أصبحت من المراجع الرئيسة في تاريخ المملكة

في أمريكا

في إطار البدايات الأولى للعلاقات السعودية الأمريكية أشار الملك عبدالعزيز في أحاديث له مع الوزير الأمريكي المقيم في (جدة)، ومع بعض المسؤولين الأمريكيين من شركة «ستاندارد كاليفورنيا العربية للبترول»، بأنّه ينوي أن يبعث بأحد أبنائه لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهاء الحرب، وعليه فقد رحبت حكومة الولايات المتحدة بهذه الزيارة دون انتظار لانتهاء الحرب، وكان ذلك عام 1943م، حيث أصدر الملك عبدالعزيز قراراً بأن يقوم بالزيارة كل من الأمير فيصل بن عبدالعزيز -وزير الخارجية السعودية آنذاك-، والأمير خالد بن عبدالعزيز، والشيخ «حافظ وهبة» -الوزير المفوض السعودي في لندن-، وعندما وصل الوفد السعودي إلى واشنطن برئاسة الأمير فيصل بن عبدالعزيز عقدت عدة اجتماعات بمكتب قسم شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية، وفي باكورة هذه الاجتماعات حظر الشيخ «حافظ» بتنسيق مع الملك فيصل الاجتماع الأول، الذي حدد فيه الوفد السعودي مطالب السعودية، ورد المسؤولون الأمريكيون عليها، والتي كان من ضمنها ضرورة أن يكون تعامل المملكة العربية السعودية تعاملاً مباشراً دون وسيط، وقد وافق الجانب الأمريكي على هذا الحل.

كما أثار الشيخ «حافظ وهبة» كذلك موضوع عدم وصول الحافلات اللازمة لنقل الحجاج إلى المملكة حتى ذلك الوقت، وذلك بناء على برقية بعث بها الملك عبدالعزيز وقد رد المستر «وينانت» بأنّه سيبعث ببرقية إلى المركز -»مركز تموين الشرق الأوسط بالقاهرة- بهذا الخصوص، كما تقدم الشيخ «حافظ وهبة» بقائمة بأدوية طبية لازمة للمملكة، وجاء الرد الأمريكي بأن يقوم الشيخ «حافظ وهبة» بإرسال برقية إلى (الرياض)، ليتم تقديم الاحتياجات الطبية إلى المستر «موسى» -الوزير الأمريكي المقيم في جدة-، ليقوم بدوره بطلب هذه الاحتياجات من «مركز تموين الشرق الأوسط بالقاهرة»، الذي تتوفر لديه كميات كبيرة من هذه الاحتياجات الطبية، ومن ثم يمكن شحن هذه الاحتياجات الطبية من القاهرة إلى المملكة العربية السعودية.

بعد ذلك أعاد الشيخ «وهبة» الحديث في قضية الاتصالات اللاسلكية التي تحتاجها المملكة، من أجل تحقيق الاتصال السريع بما يكفل مواجهة أية تهديدات للنظام والقانون داخل المملكة، ولكن المسؤولين الأمريكيين أوضحوا له صعوبة شحن وحدة اتصالات كاملة، ولكن يمكن إرسال أجزاء لإصلاح المعدات والأجهزة القائمة بالعمل فعلاً، مع توفير خبير فني في إدارة وإصلاح هذه المعدات، وقد عبر الشيخ «حافظ وهبة» بموافقة الأميرين فيصل والأمير خالد أبناء الملك عبدالعزيز عن كل ما تمت مناقشته، وعن إدراكهما لوجهة النظر الأمريكية، ثم تتابعت الاجتماعات برئاسة الأمير فيصل -وزير الخارجية السعودية- وشقيقه الأمير خالد بن عبدالعزيز والشيخ «حافظ وهبة» -الوزير المفوض السعودي في لندن- مع الجانب الأمريكي لمناقشة عدد من البنود والاتفاقيات.

تصميم العلم السعودي

ربطت بعض الروايات بين الشيخ «حافظ وهبة» وتصميم العلم السعودي، حيث ذكر البعض أسبقية الشيخ في تصميم الراية السعودية، إلاّ أنّ المؤرخ «عبدالرحمن الرويشد» لا يرى ذلك، ويستدل بعلم الدولة السعودية الأولى والثانية، حيث شملت عبارة التوحيد، كما نفى ذلك «أ.د.عبدالله بن ناصر السبيعي» -المشرف على كرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية-، وذلك إثر تعقيبه على إحدى رسائل الجامعة التي تضمنت مسيرة الشيخ «حافظ وهبة» -رحمه الله-، الذي له أدوار تذكر فتشكر، لا سيما وأنّه أحد أبرز رجال مرحلة التأسيس والبناء ممن وثق فيهم الملك المؤسس، إلى درجة أنّه -رحمهما الله- كان يقطع له اللحم في المائدة، وهذا العرف عند عرب الجزيرة دليل على عمق المحبة والثقة وصدق التكريم، مبيّناً أنّ نشأة العلم السعودي تعود إلى الدولة السعودية الأولى، حيث ذكرت المصادر أنّ الإمام «محمد بن سعود»، كان يعقد الراية لأحد أبنائه أو يتولاها بنفسه.

وأشار «ابن بشر» وعدد من المؤرخين المعاصرين إلى أنّ الإمام «عبدالعزيز بن محمد بن سعود» كان يبعث بالرسائل إلى رؤساء القبائل، ويحدد لهم مكاناً، وتتقدمهم الراية، فتنصب على ذلك المورد، فلا يتخلف أحد من رؤساء القبائل، وكذلك بالنسبة للإمام «سعود بن عبدالعزيز» والإمام «عبدالله بن سعود».

ولفت «ابن بشر» إلى أنّ الإمام «تركي بن عبدالله» كان يأمر بحمل الراية وتتقدم الجيوش، وكذلك فعل ابنه الإمام «فيصل»، وكانت الراية في الدولة السعودية الأولى والثانية خضراء مشغولة من «الخز» و»الإبريسم» كتبت عليها عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وكانت معقودة على سارية بسيطة، وفي عهد الملك عبدالعزيز تطورت الراية فأصبحت مربعة الشكل تتوسطها عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ويعلوها سيفان متقاطعان، ثم تغير شكلها فضمت سيفاً واحداً تحت عبارة الشهادة، كتب تحتها «نصر من الله وفتح قريب»؛ لذا يتضح أنّ الراية السعودية مرت بأطوار ومراحل إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي، كما يذكر بعض المؤرخين أنّ الأمير «عبدالله بن على الرشيد» -أمير منطقة الجبل- من قبل الإمام «فيصل بن تركي» وبعض أبنائه كانوا يحملون ذات الراية في أزمنة متفاوتة مع تغيّر يطرأ عليها من فترة لأخرى.

وفاته

توفي الشيخ «حافظ وهبة» في مدينة (روما) عاصمة (إيطاليا) سنة 1387ه الموافق 1967م، عن عمر يناهز(80) عاماً، بعد نضال طويل وحياة علمية حافلة بالإنجازات السياسية والتنظيمية والعلمية، التي خدم فيها بلاده وأمته العربية والإسلامية،رحمه الله وأسكنه فسيح جناته .


الشيخ حافظ وهبة يقف بالقرب من الملك عبدالعزيز

الملك سعود مع حافظ وهبة

الشيخ حافظ خلف الملك فيصل

الشيخ حافظ من الرجال الأوائل الذين أوفدتهم المملكة للخارج