تختلف تعاريف القيادة من معرف إلى آخر، ولكي نتحدث بصورة أكاديمية أكثر فإن اختلاف التعاريف في أي علم يرجع إلى اختلاف خلفيات المعرفين وتخصصاتهم الأمر الذي ينعكس إيجابيا على هذا العلم بصورة عامة من خلال كونه حقلا للتطور المستمر، وبالعودة لمفهوم القيادة فهو كأي علم آخر يختلف معروفه في تحديد مفاهيمه وأركانه حتى إن البعض يراه فنا من الفنون.

فالقيادة كما يصورها الباحث الأمريكي وارن بنيس بأنها القدرة على ترجمة الرؤية إلى واقع ملموس، وهو ما عايشه الشارع السعودي مؤخرا من خلال جملة من القرارات الجوهرية والمفصلية من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – والتي تترجم رؤية ملك من خلال تمكين الشباب في عدد من الوزارات بالإضافة إلى "ضخ" دماء من القطاع الخاص في قطاعات تحتاج إلى الكثير من التجديد والعمل المتواصل.

قرارات سلمان الملك نبعت من خبرة إدارية كبيرة اكتسبها من خلال تجربة طويلة في مختلف المناصب التي تقلدها خلال مسيرة خدمة هذه البلاد، هذه القرارات الإدارية رافقها أيضا تغير واضح وصريح في النهج الإعلامي تمثل في ظهور منبر إعلامي جديد اختاره -حفظه الله- ليكسر جمود وبيروقراطية الوسائل القديمة أو الخطاب الحكومي بصفة عامة، تواصل الملك سلمان – حفظه الله – مع الشعب مباشرة عبر تويتر بعد الأوامر الملكية أو بعد أداء الوزراء للقسم يحمل في طياته العديد من الرسائل التي تشكل في مجملها سياسة إعلامية جديدة بكل تفاصيلها تطال أضلاع العملية الاتصالية جميعا، فخادم الحرمين توجه مباشرة إلى الشباب عبر وسيلة يدرك أنهم يستخدومنها بكثرة فالمملكة تصدرت دول العالم في نسبة المستخدمين النشطين في "تويتر" إلى إجمالي عدد مستخدمي الإنترنت بشكل عام، حيث حصلت على نسبة 41% حسب دراسة أجراها قسم الإحصائيات في موقع "بيزنس إنسايدر" متفوقة على دول مثل الولايات المتحدة الأميركية والصين، ومن هنا أراد الملك أن يتوجه للمواطن الشاب بحديث من أب قائد إلى ابنائه مستخدما لغة اليوم، تاركا بيروقراطية الخطابات الرسمية، متخليا عن البروتوكولات الملكية، هذه "اللغة الشبابية " التي تحدث بها قائد البلاد مع الشباب وصلت لهم بصورة سريعة وتفاعلوا معها من خلال "إعادة التغريد" بصورة سريعة وواضحة فتغريدته حفظه الله بعد أداء الوزراء للقسم أعيد تغريدها أكثر من 66 ألف مرة وهو رقم كبير جدا إذا ما تمت مقارنته بعدد مشاهدات نفس الخبر في الوسائل التلقيدية.

تغريدات الملك حملت بين أحرفها رسالة أخرى لوزراء مجلس الوزراء بضرورة مواكبة العصر من خلال تفعيل تواجدهم واستخدامهم وتفاعلهم مع الشعب على مختلف أعماره وبالطريقة التي تناسب الشريحة المستهدفة فتواجده شخصيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتغريد بلغتين وبصورة مباشرة لم يدع مجالا أمام الوزراء للبدء في استخدام هذه المواقع والتواجد بصورة أقرب للمواطن خصوصا إذا ما علمنا أن 4 وزراء فقط يملكون حسابات نشطة في " تويتر".

على صعيد صاحبة الجلالة؛ ف"تغريدة الملك" كانت اختبارا واضحا للوسائل التقليدية والتي تعودت أن تصلها الأخبار الرسمية عبر وكالة الأنباء إلا أنها اضطرت الآن لمتابعة وسائل التواصل بصورة أكبر وتطوير محرريها سواء الميدانيين أو محرري "الديسك" بمهارات البحث والمتابعة فهذه التغريدات شكلت قناة جديدة ورافدا معلوماتيا مهما منذ البدايات إلا أنها الآن بدأت تدخل في إطار بث الأخبار الرسمية بعيدا عن انتظار صور أو خبر موزع الأمر الذي سينعكس إيجابا على وسائل الإعلام والتي ستجد نفسها مدفوعة بسرعة التيار لتهيئة جيل شاب يجيد التعامل مع التقنية الحديثة ومفرداتها، لذا يمكننا القول بأن خادم الحرمين رسم سياسة إعلامية جديدة وأن الكرة الآن في ملعب الوزراء لبدء التفاعل وفي ملعب الصحافة لمزيد من التطوير والتقدم.