في السادس من كانون الثاني يناير 2015، تعهد رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بمواصلة حملته لتعزيز الشفافية في المؤسسة العسكرية، بعد الخسائر التي تعرض لها الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية في شمال البلاد وغربها.

وقال العبادي، في كلمة ألقاها في الذكرى ال94 لتأسيس الجيش العراقي، إن من الأمور الأساسية التي ركز عليها إصلاح وتطوير المؤسسة العسكرية. وكان العبادي قد أحال على التقاعد، في 12 تشرين الثاني نوفمبر 2014، عشرة من قادة العمليات في الجيش العراقي، بينهم رئيس الأركان، وعيّن ثمانية عشر آخرين بمناصب جديدة في وزارة الدفاع، فيما أمر بإعفاء ستة وعشرين من كبار الضباط من مناصبهم. وفي كانون الأول ديسمبر، أعفى العبادي 24 من ضباط وقادة وزارة الداخلية من مناصبهم. وقال العبادي، في حديث منفصل العام الماضي، إنه كشف وجود خمسين ألف جندي وهمي يتقاضون رواتب، من دون أن يؤدوا مهامهم في المؤسسة العسكرية. وتعهد بدعم مسيرة إصلاح هذه المؤسسة، وتعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة فيها.

ويحتفل العراقيون في السادس من كانون الثاني يناير في كل عام بذكرى تأسيس الجيش، حيث أعلن عن تأسيس أول فوج من أفواجه، باسم "فوج موسى الكاظم" في العام 1921.

وفي العام 1980، دخل الجيش العراقي الحرب العراقية الإيرانية وكانت قوته لا تزيد عن 12 فرقة، أربع منها مدرعة. وكانت قوته الجوية لا يزيد تعدادها عن 400 طائرة عسكرية. ويضاف إلى ذلك قوة بحرية صغيرة للمهام الساحلية. وفي العام 1985، قفز تعداد الجيش العراقي إلى 500 ألف جندي، في 23 فرقة وتسعة ألوية.

وخرج العراق من الحرب العراقية الإيرانية وهو يمتلك ما يزيد عن مليون عسكري، منظمون في 57 فرقة، بين مدرعة وآلية ومشاة اعتيادي وقوات خاصة.

وقد شكلت قوات الحرس الجمهوري أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وكانت لدى العراق أيضاً تشكيلات عسكرية أخرى، كالجيش الشعبي، والمهمات الخاصة، وفدائيي صدام وجيش القدس.

وكان الاتحاد السوفياتي المصدر الرئيسي للسلاح والعتاد العراقي، وكان العراق مركزاً للحضور السوفياتي، الاقتصادي والأمني، في إقليم الخليج العربي.

وعلى الرغم من ذلك، لم تقترب بغداد من كونها أديس أبابا أخرى، وذلك بسبب التباين الأيديولوجي، وتمايز الخيارات الخارجية، خاصة على المستوى الإقليمي. وقد استمرت علاقات العراق العسكرية والأمنية مع روسيا ما بعد السوفياتية، وبقية دول الاتحاد السوفياتي السابق، إنما بوتيرة متواضعة، في ظل قيود هيكلية فرضتها حزمة عقوبات مجلس الأمن الدولي على بغداد، بعد حرب الخليج الثانية.

وعلى الرغم من افتقاده للبعد الاستراتيجي، على النحو الذي كان قائماً مع دول الكتلة الاشتراكية، فإن الوجود السوفياتي في العراق أريد له، بمعنى من المعاني، موازنة النفوذ الغربي في الداخل الخليجي، كما في إيران ما قبل العام 1979.

وإضافة للاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية، كان التسليح العراقي يعتمد على عدد من الموردين في أوروبا الغربية، وخاصة فرنسا.

وكان بمقدور المراقبين النظر إلى عراق ما قبل حرب الخليج الثانية باعتباره قوة عسكرية رئيسية في الشرق الأوسط. وتالياً، قاد تطوّر هذه القوة المحللين والساسة في الغرب إلى طرح جملة تساؤلات ذات صلة بواقع الجيوبوليتيك الإقليمي.

وقد تغيّر الوضع على نحو جذري بعد حرب الخليج الثانية، حيث حُيّد العراق استراتيجياً، وجرد من قوته الوازنة.

وفي العام 2003 كان الجيش العراقي قد انخفض إلى 424 ألف جندي. وكانت لديه 2200 دبابة قتال رئيسية فقط، ونحو 2050 قطعة مدفعية، و225 بطارية صواريخ أرض – جو، ومجموعة قليلة من الطائرات والمروحيات العسكرية غالبيتها معطلة.

هذا العراق المتحوّل، أعيدت صياغة بيئته السياسية والاستراتيجية مرة أخرى، عندما أسقطت القوات الأميركية والبريطانية، في التاسع من نيسان أبريل 2003، حكومة الرئيس العراقي صدام حسين.

وقد بدت القوة العسكرية والأمنية العراقية في طليعة المعنيين بالتطوّر الجديد، حيث أصدر الحاكم المدني الأميركي، بول بريمر، في 23 أيار مايو 2003، الأمر رقم (2)، الذي قضى بحل الجيش العراقي، ووزارة الدفاع العراقية، وكلية الهندسة العسكرية التابعة لها. وكذلك كافة التشكيلات العسكرية والأمنية الأخرى.

وقد رمى هذا القرار بتداعياته واسعة النطاق على فرص الأمن والسلم الأهلي في العراق، فقد عانت البلاد نتيجة لذلك من فراغ أمني، لم تتمكن القوات الأميركية والدولية من سده، كما أضحت الحدود العراقية مع الدول المجاورة سائبة وغير محكمة، الأمر الذي سهل دخول مختلف المجموعات المسلحة، بأفرادها وعتادها.

ولاحقاً، اختلف الأميركيون في تقييمهم لقرار بول بريمر بحل الجيش العراقي والقوى الأمنية العراقية. وساد انطباع عام بأن عواقب هذا القرار لم يكن توقعها، أو على الأقل لم يكن توقع المستوى الذي بلغته. وبدا أن هناك لوماً من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قد ألقي على وزارة الخارجية، التي كان بريمر محسوباً عليها. وعلى الرغم من أن هذا الأخير قد حرص مراراً على القول بأن حل الجيش العراقي كان قراره الخاص، إلا أنه عاد في النهاية ليقول بأن أحداً لا يجوز له إلقاء اللوم عليه وحده في اتخاذ هذا القرار.

وهناك روايتان أميركيتان رئيسيتان لقرار حل الجيش العراقي، صدرت الأولى عن بول بريمر في العام 2006، وصدرت الثانية عن وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد في العام 2010. وهاتان الروايتان مختلفتان، وليس بينهما سوى القليل من التطابق.

بعد أشهر من سقوط بغداد، نص الأمر الرقم (22)، الصادر عن الحاكم بول بريمر، في 8 آب أغسطس 2003 على تشكيل فيلق عسكري، كخطوة أولى نحو تشكيل قوة دفاع وطنية للعراق الجديد.

ولاحقاً، استبدل مصطلح الفيلق العراقي الجديد ب "الجيش العراقي الجديد"، ونصت الخطط بأن يتم تشكيل أول فرقة خلال عام. وكانت الفكرة الأولية تقضي بأن يتألف هذا الجيش من نحو أربعين ألف عنصر، منظمين في ثلاث فرق مشاة، تتكون كل فرقة من 12 ألف جندي. وبحيث تكون واحدة من هذه الفرق على الأقل من نوع المشاة الخفيف. ويكون هناك أربعة آلاف عنصر يتم استخدامهم في مراكز القيادة وطاقم جهاز الدعم. وتكون المهمة الأساسية لهذا الجيش حراسة الحدود ونصب الحماية.

وفي آب أغسطس 2003، بدأ تشكيل أول فوج عراقي جديد (NIA)، وبدأ تدريبه بدورة مدتها تسعة أسابيع. وتخرج هذا الفوج في تشرين الأول أكتوبر من العام نفسه. وقد جرى التدريب التأسيسي للجيش الجديد، في المرحلة الأولى، عن طريق مقاولين أميركيين من مؤسسة ڤينيل (Vinnel)، تحت إشراف عسكريين من قوات التحالف، بقيادة الجنرال بول إيتون، القائد السابق لمدرسة المشاة الأميركية. وعانت الكتيبة الأولى من الجيش نسبة تسرب قاربت 50%، حتى قبل أن تغادر مقرها التدريبي. وكان مرد ذلك عدة أسباب، منها أوجه القصور والعجز التي واجهت التدريب، وعدم كفاية الرواتب التي قدمتها سلطة الائتلاف، حتى بالمقارنة مع معدلات الرواتب السائدة في العراق.

ولم يرض وضع التدريب الجنرال إيتون، الذي صرح في كانون الأول ديسمبر 2003، قائلاً: "يجب أن يقوم العسكريون بتدريب الجنود. ولا يجوز أن تطلب من مدني أن يقوم بالعمل الذي يقوم به العسكري".

وبحلول منتصف العام 2004، كرر إيتون انتقاداته، وأكد أن التدريب الذي يقوده المقاولون المدنيون "لم يسر على ما يُرام.. لقد مضت علينا سنة ولم نحقق أي تطوّر تقريباً".

وإثر ذلك، تولت قوات الجيش الأميركي سيطرة أقرب على التدريب التأسيسي، بمساعدة من القوات المسلحة الأردنية والأسترالية

وبموازاة المسار الخاص بتشكيل الجيش النظامي، جرى في خريف العام 2003 تشكيل "قوات الدفاع المدني العراقية" كقوات مؤازرة لقوات التحالف، ثم تطور الهدف منها خلال شتاء 2003 2004، لتكون مهمتها ملء الفجوة بين قوات الشرطة والجيش. وكانت هذه القوة في الأصل تحت إمرة وزارة الداخلية، ثم انتقلت إلى وزارة الدفاع بموجب الأمر رقم 73، الصادر عن سلطة الائتلاف، والذي نص على أنها تمثل "عنصراً من عناصر القوات المسلحة العراقية".

وتحولت قوات الدفاع المدني العراقية من قوات شُرطية إلى قوة مشاة خفيفة، أي قوات شرطة معززة، تستطيع القيام بالعمليات الهجومية والدفاعية الأساسية. وفي وقت لاحق، قامت الحكومة العراقية بتغيير اسم هذه القوة إلى قوات الحرس الوطني العراقي.

وعلى صعيد النماذج المعتمدة في بناء الجيش العراقي، وبدلاً من نموذج وحدات المشاة الميكانيكية، التي كانت ضمن الجيش السابق، أصبحت التشكيلات التكتيكية الأساسية تعتمد على كتائب المشاة المحمولة، التي تعمل بصورة متكررة في شكل سرايا. وبناءً عليه، فإنه بدلاً من الآليات التكتيكية المجنزرة الثقيلة، التي تحمل قاذفات الصواريخ والمدافع الآلية، أو الرشاشات الثقيلة، جرى التحوّل إلى قوات وأسلحة محمولة على عربات ذات مدرعات خفيفة، ورشاشات خفيفة أيضاً.

وقد قاد نجاح العملية السياسية، وتطوّر مشروع المصالحة الوطنية، باتجاه تحرك الدولة العراقية إلى إعادة الكوادر العسكرية التي خسرتها بعد حل الجيش العراقي. وبعد بدايات أولية متعثرة، شهدت مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي نهاية العام 2011، تركيزاً متزايداً باتجاه الاستفادة من الضباط العراقيين، الذين خدموا في عهد الرئيس صدام حسين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد ضباط الجيش العراقي كان في حدود 350 ألفاً عندما حدثت حرب العام 2003، وهذه إحدى أعلى نسب الضباط على صعيد عالمي، قياساً بتعداد الجيش.    وقد تطوّر عديد الجيش العراقي، وبلغ في العام 2014 حوالي 300 ألف عنصر، فيما يبلغ إجمالي القوات العسكرية العراقية، بما فيها تلك التابعة لوزارة الداخلية، نحو مليون عنصر.