شمال القلب

كان هناك الضوء الشارد. الوجوه المسافرة، والقلوب المفتوحة، والثياب الجديدة والأطفال الحالمين ينتظرون الرجل العجوز حتى يترك هداياه تحت وسادتهم، وأصوات أجراس العام الجديد تراقص العربات العابرة في السماء فيما كانت الغزلان تحني رأسها يمينا ويسارا مع صوت الغناء الروحي الذي كان يهطل وسط شتاء شديد.. شديد البرودة.. الأفق يتلون بالزرقة، والمسافة التي تفصل بين الأرض والسماء كانت بمسافة ذلك العام الذي سيمضي بعد دقائق قبل أن تعلن الساعة تمام «الثانية عشرة» من منتصف الليل ليجرب العام الميلادي الجديد أن يمد يده إلى الباب ويفتحه على آخره ليطل بوجهه الذي أعرفه حينما يجرب أن يترك الزهور والقناديل قريبة من العتمة التي تسكن البيوت الثلجية والأكواخ الصغيرة التي لا يشتعل منها في الليل شيء سوى نافذة واحدة في»العلية».

أحب أن أقضي تلك الليلة مع امرأة تجيد البكاء فرحاً حين تعاين اكتمالي واكتمالها

مالعميق والجارح فينا أكثر: احتفال الفرح أم احتمال الحزن؟

هناك حيث ينام طفل يحلم بأحلامه فيما أبقى «أنا» مأسورة بداخل الفكرة الخاطفة التي تباغتني كلما ارتديت ثوبا طويلا من البياض وسرحت شعري ليختلط بمشبك يضيء ذاكرة الأيام هناك حيث اخترت في هذه الليلة أن أنتعل آمالي الطويلة.. وأن أدس بعض الأمنيات الصغيرة جدا والهامسة عند حقيبة يدي.. اسوارا واحدا وخاتما فقط كانا يجربان العبث بي ليتركاني في تلك الفوضى العارمة التي أشعر بها في كل ليلة من رأس السنة الميلادية.

هذه الليلة.. يجب أن يحدث شيء ما. علي أن أركض نحو الطريق وأن أعيش كل ذلك الشتاء بحب. أريد أن أفتح قلبي كثيرا.. أريد أن أجرب أن أهز القناديل التي بقيت طويلا معلقة على الحائط وتجنبتها لأنني كنت أخشى أن تشعل روحي بالأشواق.. فلأشتاق ولما لا.. !! لا ضرر بما أن هناك دائما ليلة رأس سنة واحدة تأتي بكل الأمنيات دفعة واحدة.. تمنحني هداياها الناعمة وأهبها الرقص فوق أوجاعي الماضية لأعيش الفرح.

هنا.. في الشمال الذي يحاصرني بلهفة غير عادية.. وفي ليلة رأس السنة الميلادية أبتكر عالمي. أرتب لقاءين غير معلنين مع الشاعر المصري المبدع كمال عبدالحميد الذي قرر أن لايدخل الليل إلا وحيدا، والروائي اليمني الجميل علي المقري الذي قرر أن يترك نافذة الجسد مفتوحة.. أما أنا.. فأنا تلك المرأة التي تقرر أن تعيش الليلة كما هي وأن تعطي لكل الأشياء فرصة حتى تواسيها وتخفف عنها ثم تتركها في المستحيل. تتركها في الاحتمال.. الاحتمال الذي يمكن أن يحدث وقد لا يحدث.

الوداع والفراق والفقد ثلاثية الألم الخرافي وهداياها تنقذنا من الملل

كيف احتملني قلبي كل هذه السنوات على الرغم مما فعلته به؟

** كانت برلين في هذه الليلة شاسعة جدا.. الأضواء فيها تسرق الأنظار نحو المفاجأة.. الشوارع تتزين بالقناديل، فيما كانت الأشجار تلتحف بالألوان لتحتمي من الصقيع.. وبرغم كل شيء بقيت أحتمل غياب الصوت القادم من قلبي فيما كان كمال عبدالحميد يجرب أن يترك خطوات قدميه تمضي إلى البعيد.. وحده علي المقري كان يعرف كيف يسخر الشموع حتى تشتعل بأكمامه فيكتب حبا وتوقا..

** أفرك يدي ببعضهما.. أقربهما من فمي أنفخ بداخلهما فيما ضباب البرد يتطاير من بين أصابعي وحول حركة التنفس التي كنت أتنفسها.. أقرب يدي من خدي لأشعر بالدفء.. فيما يعلق شيء من الثلج المتطاير بمعطفي الأحمر

عبير:

ليلة قارسة.. لم يتبق سوى ساعة على حلول العام الميلادي الجديد..

** أنظر إلى المدينة.. ألف ذراعي حول جسدي:

هذه الليلة علينا أن نقول كلمتنا الأخيرة لعام 2014 م.. أظن بأنه علينا أن نبقي شيئا من الفرح حتى إن كان صغيرا للعام الميلادي الجديد.. وبرغم تلك الأحزان التي عشتها. برغم أن العام الماضي كان عاصفا بقسوته، موجعا بأحداثه ولكن.. سأجرب أن أفتح قلبي للعام الجديد..

** كمال وهو ينفض الثلج المتساقط من معطفه:

كل ما تركه لي عام 2014 هو ساعة فرح واحدة، مجرد ستين دقيقة عرفت فيه روحي كما لم أعرفها من قبل، وأعني بساعة الفرح التي تحصلت عليها من العام الماضي هي المقابلة الخاطفة مع الضائع الذي طالما بحثت عنه، أنا لست ناقماً على سنة 2014، بل أنحني أمام ساعتها، وأرفع لها اليد بالتحية، إذ يكفيها بالنسبة لي أن أهدتني ساعة واحدة اختصرت حقيقتي كلها، إنها ساعتي الكاملة، ساعة الحب التي سأمضي بها من 2014 إلى 2015 وما بعده، من المفرح أن يبقى الإنسان منا في بحث مضنٍ عن حلم ما، عن امرأة ما، وحين يكاد يغلق قلبه وعينيه يأساً، تقول له أقداره: "يا هذا، يا أنت، أيها اليائس، أنتظر بهجتك الكبرى، لأن المباهج العظيمة لا ينالها إلا من صبر وتألم".. وعلى الرغم من أن ما جاءت به الساعة من فرح حقيقي قد ذهبت به، إلا أنها أهدتني يقيناً بأن أحلامنا المستحيلة يمكن أن نلتقي بها ولو لمرة قصيرة خاطفة، وبذلك يمكن احتمال الحياة كلها.

أحتاج في الليالي الباردة إلى أي شيء يشبه الحياة ليلم شتاتي

في عام 2014م ساعة واحدة عرفت فيها روحي كما لم أعرفها من قبل

** علي يتقدمنا نحو الأشجار التي تتزين بالأضواء الساطعة.. يعلق:

لا أعبأ بالبهرجة العامة في توديع الأعوام واستقبالها، فإذا كان للناس أعوامهم فلي أيضاً عامي الخاص. عامي يبدأ عادة مع الربيع وينتهي مع نهاية الصيف، أحياناً أضيف إليه بعض الأشهر والأيّام من فصول أخرى، حسب الحاجة، ولكنّه يبقى في الأخير عامي الخاص. فيه أخطط لما أريد وما لا أريد وأمضي على شغف رغبة بتحقيق لذة مرجوة قد تكون لحظات في الكتابة، وقد تكون أيضاً لقاءات مع أصدقاء وصديقات للبوح، للذة الثرثرة في ما لا يقال.

** أتقدم نحو الأشجار المتزينه بالاضواء.. أمرر يدي إلى جذعها الرشيق.. أقول

عبير:

كلا يا علي.. علينا أن نعد احتفالاتنا، لا يجب أن نكف عن استقبال بدايات الأعوام.. الاحتفال هنا لا يعني الرقص والأعياد المجيدة.. بل تعني هنا أن نخرج من النفق، أن ندخل الياسمين ونشم فيه كل شيء.. أحب أن أقيم احتفالاتي في ليلة رأس السنة الميلادية لأنني أرغب في أن أشعر بأنني على قيد الفرح أو الأمل الذي يأخذني إلى مزيد من الدهشة المخبأة لي في كل عام

نسيت تلك الجراح التي ظننت بأنها ستبقى طوال العمر

سأبقى أتحسس الحياة وأستدعي الرقص كلما احتجت إليه

** كمال مبتسما.. مشتاقا للدهشة:

نعم – ياعبير - وأنا كذلك أقيم الاحتفالات الصغيرة، لكنني أقيمها في ذاكرتي، أنني مفتون بالماضي، أستدعي كل أطياف الغائبين، وأنظم لهم ما يليق بقساوتهم، ما يليق بالمحبات المهدرة. انتصاراتنا مصنوعة من الأوهام، ليس هناك انتصار مطلق، نحن صنيع الهزائم، أرواحنا بقايا زجاج قديم ومحطم. في الحياة يظل الاحتفال محاولة للقفز على المرارات، لكننا سرعان ما نسقط في قبضتها.

أخبريني يا عبير ما الذي يبقى أكثر؟ ما العميق والجارح والخالد فينا: احتفال الفرح أم احتمال الحزن؟ ثم أنني في الحقيقة أكره الذهاب إلى الحفلات، هناك، وسط الضجيج، أقابل وحدتي كاملة، الزحام مؤامرة للانسحاب بعمق إلى الداخل، وتلك قسوة لا أحتملها كثيراً.

** ينظر علي بحياد إلى كمال ويقول:

لا أتعمّد إقامة احتفالات لأي سبب أو حجة. الفرح عندي يجيء مباغتة وبلا مقدمات، قد أكون في حلم وعلى وشك صحو، أو أكون في شارع أو مقهى أو في حافلة جماعية. حينها قد أنط وأصيح أو أرفع صوتي بالغناء، أو ابتسم دون أن أنظر إلى ما حولي. قد يظنني البعض مجنوناً لكني لا آبه. أحياناً لا أتردد بالكلام مع نفسي، فمن الجنون ألاّ نتكلّم مع أنفسنا. صحيح أن لحظات الفرح بالنسبة لي عابرة وقليلة البقاء إلاّ أنني لا أخونها وأعيش اللحظة تماماً كما أعيش لحظات الحزن.

** أمد يدي إلى الفضاء كمن يجرب أن يمسك بيد الحب..

العشق يعلمنا أن نروض الجاذبية ونضرب الهواء بغير جناحين

عبير:

أشتهي أن أرقص فوق الجراح.. أشتهي أن أراقص السماء وأن آخذ الحزن من تحت ذراعية وأغني له ليبتسم.. أشتهي أن أرقص حتى أشعر بأن جسدي قد حلق بعيدا إلى النجوم... أشياء كثيرة أحلم بأن تراقصني، تأخذني من تحت ذراعي وتشبك النجوم والقمر بروحي.. كم أشتهي الفرح، الضحك، الهبل واشياء كثيرة.. أشياء تشبه أكل التفاح وشم الورد والشرب من الانهار

** أضحك وألوح بأصبعي عاليا..

عليكما أن تحددا الليلة أي الاشياء التي تفضلان مراقصتها.

كمال:

  • الخيبات وليس سواها شيء، أود لو أنني أستطيع أن أصنع مسرحاً خرافياً، وأختار فرقة موسيقية تجيد عزف ألحان رقصات العالم، ثم أستدعي خيباتي كلها وأُجلسها أمام المسرح، ثم أنادي على كل واحدة باسمها، وكثيرة هي الخيبات التي أود أن أراقصها، خيبة الحب التي تتكرر، خيبة الصداقات الزائفة، خيبة الاطمئنان، خيبة الساذج كلما صدق أحداً، خيبة الرجل الذي زاده الشعر غربة وعزلة.

جميل يا –عبير - أن نراقص عناويننا الجارحة، جميل أن نبني صداقات على إيقاع الموسيقى مع آلامنا الغائرة في القلب. الرقص مطهر مؤقت من الألم، خفة تحررنا من عذاباتنا. أعترف أن من الخيبات ما يستعصى على الحضور والرقص، إنها من ذلك النوع الذي لا يريد تصالحاً، من النوع الذي يدبر لتكرار نفسه فينا، خيبات مملوءة بالحقد تتربص بنا، وفي كل الحالات نحن جئنا لنرقص على هذه الأرض، ولكل منا رقصته الخاصة مهما بدت صغيرة وعابرة.

أما العشق فهو الذي يرقص بنا، هو الذي يعلمنا أن نروض الجاذبية ونضرب الهواء بغير جناحين، وفيه وبه أخرج من الرقيب المتجهم الذي هو الأنا العليا، أجرب كيف يمكن للموسيقى والعشق أن يعيدا ابتكار علاقاتنا مع أجسادنا.

علي:

أرقص كلّما انتشيت لأي سبب وحال، مع أنني لا أجيد الرقص. درسته على الورق وفي المشاهدة حين كنت أحضِّر لكتابات تلامسه، لكنني بقيت على مسافة منه، أستدعيه كلّما احتجت إليه.

** نقترب من الاحتفالات قليلا..بجواري أضع حقيبتي على المقعد. أجلس وأتأمل تلك الاستعدادات الضخمة في احد أسواق برلين.. أغرق في تلك اللحظة ثم أقول:

عبير:

  • في الليالي الدافئة نحب أن نبقى مع قلب واحد ينام فوق ذراعي الدهشة ويمنحنا تلك المشاعر الخاصة التي لا يفهمها أحد سوى ذلك القلب.. قلب واحد يقول عنك كل شيء.في أشد حالات الشتاء برودة تجده قريبا منك يمنحك كل السعادة، قلب واحد في ليلة واحدة هي ليلة رأس السنة يمنحك الثقة.. من ذلك القلب؟ وأين قلبي الآن؟

** كمال يقف بجوار المقعد وينظر إلى مشهد الزحام من الناس.. ثم يقول:

سأبدأ بآخر علامة استفهام: أين قلبي الآن؟

** ينظر إلي بتأمل.. يكمل:

دعيني أسألك بأي آلة حادة تحفرين في روح الآخر وتضعين أسئلتك؟

منذ أيام كنت شارداً في سؤال أطرحه على نفسي: كيف احتملني قلبي كل هذه السنوات على الرغم مما فعلته به؟ كيف استطاع أن يصمد وأنا أجره إلى الإنكسارات دون أن أرأف به ولو مرة واحدة، هو أكثر وفاء مني، محبته لي أكثر وأجمل من محبتي له، لذلك فإنني اليوم أكتشف أن ثمة قطع صغيرة من قلبي وزعتها على أصدقاء لا يستحقون منه شيئاً، ووزعتها على نساء عديدات ذهبن بلا عودة في قطارات الحياة المتوازية، وعليّ اليوم إذا أردت أن أسترده كاملاً، السفر من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى قارة، باحثاً عن كل حاملي وحاملات قطعي الصغيرة، واقفاً أمام بيوتهم طالباً منهم أن يعيدوا ما أخذوه يوماً من قلبي.

أما الليالي"الدافئة" التي تسألين عنها فقد تعلمتُ أن أجعلها ماضياً جميلاً، إنني بشكل أو آخر أصدق "إيميل سيوران" حين قال "إننا في كل لحظة نصنع الماضي"، ولذلك أمارس بدهاء لعبتي مع الحاضر، أتحايل عليه في ابتكار الليالي الدافئة بجمال لا يتكرر حتى إذا أزاحتها حركة الساعة إلى الماضي، تبقى ذكراها استثنائية، والقلب الذي أحب أن أبقى معه في "ليلة دافئة" هو قلب امرأة تجيد البكاء فرحاً حين تعاين اكتمالي واكتمالها، قلب امرأة تجيد ترميم روح الشاعر بصداقة وأمومة الحبيبة.

** يقترب علي من المقعد الخشبي.. يجلس عليه وينظر لكمال ويقول:

حتى الليالي الدافئة صارت متبدلة، فأنا عادة ما أعيشها لحظات شغف في الكتابة، على عكس الليالي الباردة، ففيها وحدها ألجأ إلى من يسندني، يلمني من شتات الرغبة للبوح، للملامسة ربّما، لأي شيء قد يشبه الحياة.

** أقف.. أمد ذراعي إلى المدينة كمن يقدم عرض مسرحي.. أقول ببهجة:

عبير:

مارأيكما أن نمضي إلى داخل المدينة.. فالساعة قاربت على الثانية عشر ليلا

لا ضرر من أن نعانق المدينة هذه الليلة بحب.. عشق المدن كعشق النساء.. كلما تسللت مدينة لقلبك كلما تعلقت بها كعشق لا يمكن الخلاص منه.. كلما غادرتها بقيت حبيس اشواقها وكلما عدت لها شعرت بأنك تقع في حبها من جديد..

** أهدأ.. أهمس.." مدن تسكننا ونسكنها"

** يقف كمال ويرتب قميصه ومعطفه كمن يستعد للدخول إلى حفلة وهو يقول:

المدن الحقيقية أكثر حناناً من النساء، وأقل خيانة، لقد مررت وسكنت مدناً كثيرة، وأول وقوعي في غرامها كان في سنوات العمر الأولى يوم عرفت بائع الصحف في"جرجا" بمحافظة سوهاج جنوب مصر، ثم توالى العشق وتكاثرت أماكنه مروراً بالقاهرة ثم أبوظبي ثم دبي، وصولاً إلى فيينا المدينة التي أسميتها"عروس التاريخ".

** يضحك علي بصوت عاليا ويقول مازحا:

آه، ولكن ماذا تعمل لمدن قد تزورها ولا ترى فيها امرأة واحدة تمشي في الشارع. هناك من يتغزل بمدن محجوبة كالنساء. لا أدري كيف يكون هذا. مع هذا هناك مدن أخرى يصير الشارع فيها عبارة عن كرنفال حياة، يشارك فيه الرجال والنساء، أو يذكّرونك على الأقل إنهم موجودون. مدن في الغرب، وأيضاً في الشرق، لها فضاؤها التعبيري الصريح وغير المكبوت، فيها ترى ملامسة الحياة، فيها تشعر أن الأيّام تحاول أن تتخفف من عبأ القسوة، هذه هي مدني التي أرحل إليها وأتذكّرها

** نقترب من الضجيج.. تقترب عقارب الساعة من ساعة رأس العام الميلادي.. يطلق الجميع أمنياته بعام جديد سعيد..

** أهمس لكمال وعلي..

عبير:

هيا.. أخبراني عن سركما الدفين قبل أن يحل العام الجديد..

** كمال وعينيه على عقارب الساعة والجميع يبدأ العد:

السر الذي لم يعد سراً هو"أنا"، حقيقتي التي تخيلت أنني أداريها خلف ظهري عن الآخرين، السر الذي كشفت عنه في كثير من المرات هو طفولتي المتأخرة، ما زال الطفل في روحي يلعب بأعواد الثقاب ويشعلها في نزق ثم يبكي عند احتراق يديه، غير أنه سرعان ما يعاود اللعب بالنار.

**يرفع أصابع يديه" علي" في محاولة للإنضمام للعد الجمعي:وهو يقول:

الحياة لم تعد سرّاً كما كانت سوى عند أولئك الذين مازالوا مثقلين بالأساطير والأيديولوجيات والأوهام.

عبير:

هل تحاول أن تنسى – ياعلي – بتجاهل كل ما مضى كما أفعل ولم أحسن النسيان؟

علي:

في سنوات سابقة، كنت أقول مثل قولك. أنا الآن، للأسف، أنسى. نعم أنسى بدون أن أريد ذلك. كانت هناك جراحات ظننتها ستبقى معي طوال العمر، لكنّها ما لبثت أن تراجعت في الذاكرة وصارت مجرّد ذكرى. حتى الآلام تصير جميلة أحياناً حين تبتعد عن قسوة التذكر الدائم وتتحوّل إلى مجرد ذكرى تستدعيها كلّما باغتتك مصادفة وأخذتك إلى الماضي.

** تدق الساعة الثانية عشرة إعلانا بدخول السنة الميلادية الجديدة.. تنطلق الألعاب النارية في السماء وكأنها تجرب أن تكشف كامل جسد المدينة.. من بعيد يلوح غياب في الأفق ونجوم تقود الأمنيات إلى القلوب.. صوت يعلو من بين الضجيج وينادي"ودعوا عامكم الماضي.. لا تفقدوا ثقتكم بالمحبة ولا تفارقوا أيامكم إلا وانتم راضون عنها".

عبير:

ماالوداع؟ ماالفراق؟ ماالفقد؟

كمال:

الوداع والفراق والفقد هي ثلاثية الحياة المقدرة، ولا يمكن لأحد أن ينجو منها، في كل شيء، وفي كل منا، تنبت النهايات وتكبر يوماً بعد يوم، وأعتقد أن الجمال يكمن في هذا اللاخلود للأشياء والبشر من حولنا، إن هذه الثلاثية هي آلة ألم خرافية ومذهبة، وهداياها من الحسرات والحنين والندم هي منقذنا من الملل، إنها الحياة كما يجب أن تكون قاسية ومعذبة.

علي:

حين شعرت بالفقد أوّل مرّة ظننت أن الحياة انتهت وأنني لن أحيا من جديد. وها أنا أكتشف بعد سنوات طويلة أن ذلك كان عبارة عن انفعال مؤقت لا غير. لقد صرت أتحسس الحياة أكثر وإن بعينين مغمضتين في بعض الأحيان، وفي كل مرّة أدرك أن الفقد هو استقبال لحياة أخرى.

**نعلق أحلامنا بداخل الأجراس المعلقة على أقدام غزلان السماء، نمطر كما تمطر السماء. نطلق أمنياتنا الطيبة مع حراس الحب.. نتحسس الدفء بأعماقنا ثم نلوح للعام الماضي ونرفع القبعات للعام الميلادي الجديد.. نغادر بعد أن يبقى هناك حلم واحد بأن نلتقي يوما بكنوز الروح التي تركناها هناك في" شمال القلب"..


علي المقري

كمال مع طلال طعمة في أحد قصور فينا

علي في احد اللقاءات الصحفية

كمال في مطعم بيتهوفن في فينا

كمال في فينا في أحد البيوت التي سكنها بيتهوفن

علي في إحدى الحدائق التي اجرى فيها مقابلة

كمال في فينا في أحد الميادين التاريخية

علي في احد الملتقيات الثقافية

علي في اسلام اباد في الهند

كمال في معرض أبو ظبي لتوقيع أحد كتبه