يُعد احترام الوالدين، وحسن التعامل معهما، مسألة إنسانية أخلاقية بالدرجة الأولى؛ إذ أنَّ ذلك يُعبّر بوضوح عن جوهر الإنسان وحقيقته الصادقة، إلاَّ أنَّنا قد نرى في هذه الأيّام سلوكيّات تصدر من قبل بعض الأبناء لا تمتّ إلى الإنسانيّة وقيم الدّين والأخلاق بصفة، حيث يعمد هؤلاء إلى إساءة معاملة الوالدين ورفع الصوت فوق صوتهما، وقد يصل الأمر إلى حدّ رفع اليد عليهما وإهانتهما، ومع أنَّ العقوق في الماضي قد لا تتجاوز العقوق اللفظي، إلاَّ أنَّنا نسمع بين الحين والآخر حالياً قصصاً تقشعر لها الأبدان عن أبناء تجاوزوا الحد في العقوق، حتى وصل الأمر إلى الضرب أو القتل أو التعذيب، فما هي أسباب هذا التحول المجتمعي، الذي كان يعطي قيمة كبيرة للوالدين وبرهما؟ ولماذا أصبحنا نرى ونسمع قصصاً مؤلمة في عقوق الآباء؟ وهل تخلفت مؤسسات المجتمع عن أداء دورها في هذا الجانب؟ أم أنَّ الآباء قصّروا في التربية؟

يوماً ما ستدفع الثمن وتدرك كم كنت تعيساً لئيماً.. وحين تفقدهما لن ينفع الندم

ظروف متغيرة

وقال "سعيد آل خزيم" -إمام مسجد-: "إنَّنا اليوم نعيش في ظل ظروف متغيرة ومؤثرة على الأبناء والآباء معاً، فالعقوق يأتي من تخلي الآباء عن دورهم في التربية الحسنة لأبنائهم، إلى جانب انشغالهم عنهم، وكذلك عدم النصح والدعاء لهم، لذلك نحن نسمع كثيراً عن جرائم يرتكبها الأبناء بحق والديهم، مثل: الضرب أو القتل أو التعذيب، والصحف تطالعنا كل يوم بجريمة تلو الأخرى".

وبيَّن أنَّ مظاهر العقوق متعددة، ومنها ما يفعله الأبناء وهم غافلون عنه، ومنه ما يعرف بديهياً، مشيراً إلى أنَّ هناك أشكالاً مختلفة من العقوق قد يفعلها الأشخاص ويغفلون أنَّها تُعدّ شكلاً من أشكال عقوق الوالدين، ومن ذلك رفع الصوت عليهما والتضجر وإظهار الانزعاج من أوامرهما وتحزينهما وإبكائهما، أو الغضب والصراخ أمامهما، موضحاً أنَّ مجرَّد انتقاد الطعام الذي تعده الأم أو يجلبه الأب والسخرية منه أو العبوس وعدم الابتسام إليهما وترك الإصغاء لحديثهما أو عدم إعطاء اهتمام أو انتباه لكلامهما أمور تُعدّ من العقوق.

وأشار إلى أنَّ تفضيل الزوج أو الزوجة عن الأم أو الأب أو التعدي عليهما بالضرب أو ذم الوالدين أمام الآخرين وعدم السلام عليهما أو عدم إلقاء التحية عليهما بحجة أنَّه يراهما كل يوم، أمور تُعدّ أيضاً من العقوق المنهي عنه، موضحاً أنَّ "الله" –عزَّ وجلّ- نهى في كتابه الكريم عن التضجر من الوالدين، إذ تقول -سبحانه وتعالى- في محكم التنزيل: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما"، مُضيفاً أنَّ بعض الأبناء قد يلعن أحد الأبوين أو كليهما، فعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه".

وشدَّد على أهمية التربية الحسنة للأبناء، لافتاً إلى أنَّنا وسط عالم مليء بالفتن، موضحاً أنَّ علينا التسلح بالعديد من الأمور، ومنها: القدوة من الأبوين بالبر بآبائهم، مُشيراً إلى أهمية دور المسجد والمدرسة، إلى جانب الترغيب والترهيب وتعظيم مثل هذه الأمور، مؤكداً أنَّ المسؤولية هنا مشتركة، إذ انَّ المعلم مسؤول وإمام المسجد مسؤول والجار مسؤول والقريب مسؤول، مُبيّناً أنَّ الواجب هو ألاَّ يرى أحد أمامه شابا أو فتاة عاقين بأهلهم ويسكت، حيث انَّ عليه النصح والتوجيه، وأضعف الإيمان الدعاء لهما بالصلاح والبر بوالديهم.

عقوبة العقوق

وأكَّد "آل خزيم" أنَّ أن عقوبة الاعتداء على الوالدين، سواءً لفظياً أو حسياً، تندرج تحت عقوبات التعزير التي يُقدّرها القاضي وفقاً للواقعة التي أمامه، وحسبما يراه مصلحاً للولد، مشيراً إلى أنَّ عواقب عقوق الوالدين متعددة، إذ انَّ منها ما هو في الدنيا، ومنها ما هو في الآخرة، فأولها أن لا يقبل منه، إلى جانب القلّة في الرزق وكسب المعيشة، وكذلك فإنَّ "الله" –سبحانه وتعالى- يكرهه ويبغضه بين النّاس، وبين أهله وجيرانه، إضافةً إلى أنَّ الملائكة تلعنه، ولا يرفع لهُ دعاء وتغلق أبواب السماء عليه.

وأضاف أنَّ العقاب الذي ينتظر العاقّ في الآخرة، أنَّه لا يدخل الجنّة مع الموحّدين ويعجّل عذابه، لأنّ رضا الله من رضا الوالدين، كما أنَّه حتى إن دخل الجنّة، فإنَّ "الله" –عزَّ وجلّ- لا ينظر إليه.

ضغط اجتماعي

ولفت "د. إبراهيم المحيسني" -أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة نجران- إلى أنَ التغيّرات الاجتماعية أخلت بطبيعة العلاقة التي تربط بين الأبناء وآبائهم، فأصبح الضغط الاجتماعي يؤثر على الأبناء، مُضيفاً أنَّ انتقاد المجتمع للابن غير البار بوالديه يجعله منبوذاً بين الناس، لذلك يجامل ببره بوالديه، في حين نجد أنَّ اليوم اختلف عن الأمس وأصبح عدم الاعتماد على الوالدين في التربية والتعليم والمصروف يقل، وذلك بفعل المتغيرات الجديدة التي دخلت اليوم على حياة الأبناء.

وأوضح أنَّنا نجد أنَّ الأبناء يكونون مع أصدقائهم وأقرانهم، والأب يكون مع زملائه وأصحابه، مُضيفاً أنَّ من الأمور التي ساهمت في عقوق الوالدين، تعقيدات الحياة وانشغال الأبناء بحياتهم الخاصة واستقلالية الأبناء عن أهاليهم والاعتماد على السائق والشغالة في تلبية طلباتهم، مُبيّناً أنَّ علاج هذا العقوق لا يمكن أن تؤديه الأسرة وحدها، بل يجب أن يكون هناك توعية مجتمعية، مُشدِّداً على أهمية تنمية الوازع الديني لدى الأبناء، حتى إن لم يرع الابن والديه أو يبرهما من الجانب العاطفي.

خدمات مساندة

وأضاف "د. المحيسني" أنَّه مع وجود الوازع الديني لدى الابن، فإنَّه سيعمل على رعاية والديه وبرهما، مُشدِّداً على أهمية العلاقات الوجدانية والنفسية التي تربط الوالدين بأبنائهم، إلى جانب عدم الاهتمام بالحياة الخارجية، وكذلك عدم ترك التربية للخادمات، مُبيِّناً أنَّ هذا يسبب انفصال الابن عن والديه، وبالتالي فإنَّه عندما يكبر لا يشعر بأهمية تواجدهما بحياته، لافتاً إلى انَّه لا بُدَّ من معاقبة الابن العاق تجاه والديه، كما أنَّه من الضروري إيجاد قانون أو نظام يحمي الآباء من عنف وتمرد أبنائهم. ودعا المؤسسات الاجتماعية إلى عدم التخليّ عن دورها في هذا الجانب، خصوصاً في مجال توعية الشباب بخصائص الشيخوخة ومدى حساسيتها لدى المسنين، مُشدِّداً على ضرورة توفّر خدمات مساندة تساعد الأبناء على بر والديهما، كالخدمات العلاجية التي يجب أن تُقدم في المنزل، بدلاً من نقل هذا المسن إلى المستشفيات وما يكلفه ذلك من عناء.

حالات فردية

وبيّن "محمد الجريان" –مستشار أسري- أنَّه ليس بالإمكان تعميم العقوق، كما أنَّه من غير المنطقي أن نقول انَّه وصل لحد الظاهرة، مُضيفاً أنَّ الواقع يُشير إلى وجود حالات شاذة ظهرت على السطح من خلال تسليط الضوء عليها عبر بعض وسائل الإعلام، موضحاً أنَّها في النهاية لا تتعدّى كونها حالات فردية، مُشيراً إلى أنَّه في المقابل توجد حالات بر كثيرة من أبناء تجاه آبائهم، وقد لا يُسلط الضوء عليها. وأشار إلى أنَّه قد يكون من أسباب العقوق، استخدام المواد المؤثرة عقلياً أو تعاطي المخدرات والمسكرات، حيث أنَّه قد يحدث خلالها نوبات عنف مفاجئة، إلى جانب أنَّ هناك من يعانون من اضطرابات نفسية وعصبية، مُضيفاً أنَّ هناك عقوقا ناتجا عن عدم التوافق بين المراهقين بشكل خاص وبين أسرهم، وذلك نتيجة وجود بعض الأسباب النفسية والاجتماعية وضعف الوازع الديني، مُشدِّداً على أهمية دور الوالدين في التربية. وأضاف أنَّ بعض الآباء والأمهات قد يقصرون في تربية أبنائهم، وذلك من خلال عدم إعطائهم الوقت الكافي لتعليمهم تعاليم الدين الصحيحة، إلى جانب التفكك الأسري، وكذلك دخول التقنية الحديثة التي عزلت أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، إضافةً إلى وجود رفقاء السوء والقنوات الفضائية والانترنت، موضحاً أنَّ كل هذه الأسباب جعلت البعض غير مبال بواجباته تجاه والديه، مُشيراً إلى أنَّنا أصبحنا نعيش في زمن طغت فيه الماديات والبطالة، فكلما نظر الابن أو الابنة إلى من هم أفضل منه سادت نظرة دونية لوالديه.

هيئة وطنية

وأرجع "الجريان" هذه النظرة الدونية إلى اعتقاد الأبناء هنا أنَّ والديهما لم يوفرا لهم الحياة الكريمة التي يتمنونها، هذا غير البطالة التي أزَّمت نفسية الشباب والفتيات وجعلتهم يشتغلون بأمور الحياة أكثر من طاعة الله، مُشيداً بدور "وزارة الداخلية" في علاج هذه المشكلة، حيث أنَّها اعتبرت عقوق الوالدين جريمة يعاقب عليها العاق بالسجن لمدة سنة بالحق العام والغرامة، التي تصل إلى (50) ألف ريال، بل وتتضاعف العقوبة إذا كرر الابن عقوقه لوالديه، داعياً إلى إنشاء هيئة وطنية لرعاية الأسرة، وتوفير مستشارين متخصصين في حل المشكلات التي قد تحدث بين الأبناء وآبائهم.


دموع الأم أغلى من أن تُذرف بسبب ابن عاق


فتاتان تلازمان والدتهما في المستشفى براً بها وطمعاً فيما عند الله