الشيخ "ناصر بن علي بن دغيثر" -رحمه الله-، واحد من رجالات مرحلة البناء والتأسيس وبطل من أبطال الجزيرة العربية، التحق بالجيش النظامي العثماني، ثم بجيش "الشريف حسين" إبان الحرب التي قامت بين العثمانيين والشريف، ويذكر التاريخ أنه ترك الخدمة العسكرية عند العثمانيين وعمل بتجارة الجمال والسلاح بعد بطولات مشهودة على أرض المعارك التي دارت رحاها بين العرب والفرنسيين في العشرينات من القرن الماضي، حيث معركة "ميسلون" الشهيرة التي قادها وزير الحربية العربي البطل يوسف العظمة ضد القوات الفرنسية المحتله بقيادة الجنرال "هنري قورو"، وما يزال النصب التذكاري هناك في ميسلون يوثق أسماء شهداء المعركة الشهيرة التي خرج منها "ابن دغيثر" منتصراً هو ومن معه من النجديين، بالرغم من سلاحهم الخفيف مقارنة بالطائرات الحربية الفرنسية والسلاح الثقيل، فقد أدار المعركة بحكمة وحنكة وتصرف قيادي، وخطط أبهرت العدو.

وفي العهد السعودي حظي "ابن دغيثر" بثقة المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، فنصّبه قابضاً لزكاة الحناكية، ثم انتقل إلى السويرقية، ومن ثم آمراً لمالية الجوف، إضافة إلى مهام أخرى كلفه بها المؤسس.

وولد القائد "ناصر بن علي ابن دغيثر"، عام 1309ه -بحسب روايات معاصريه-، وعاش عمراً مديداً، حيث شهد معظم مراحل تأسيس ووحدة المملكة، وتوفي في المستشفى العسكري بالرياض عام 1407ه، عن عمر يناهز 98 عاماً، وكان والده قد توفي وهو صغير السن.. وارتحل إلى الحجاز لأداء مناسك الحج وهو ابن 14 ربيعاً، وكان حينها يرعى الإبل ويساعد الحجاج مقابل مبلغ زهيد (10) ريالات، وبعد نحو عام من أدائه لمناسك الحج بدأ التنقل في أرض الحجاز، حيث سافر إلى المدينة المنورة ، وعمل هناك صبياً لمدة سنتين عند "ابن جوعان" وهو من رجال الكويت المقيمين في المدينة، ومن ثم عمل في محل بيع القماش لدى أحد أهالي القصيم في المدينة المنورة مدة عام وحصل فيها على أجر ( 20) ريالاً، ثم تنقل في أعمال عديدة قبل التحاقه بالجيش العثماني الذي يواجه آنذاك تهديدات الحلفاء قبل قيام الحرب العالمية الأولى.

في هذه السطور نستعرض مسيرة هذه الشخصية القيادية وأبرز المواقف والبطولات التي سجلها التاريخ له ودوره في العهدين العثماني والسعودي، وتنقله مع العقيلات في رحلات تجارية عديدة.

تعليق صورته في «ساحة المرجة» وسط دمشق تقديراً لبطولاته في الحرب ضد الفرنسيين

جيش الشريف حسين

إبان ظهور القطار في العهد العثماني عام 1327ه الذي كان ينطلق من تركيا مروراً بالمدن السورية إلى عمّان، ثم معان حتى المدينة المنورة محطته الأخيرة، وخلال هذه الفترة التحق "ابن دغيثر" بالجيش النظامي الذي يتولى شؤونه في ذلك الوقت "عبدالله بن فيصل" وهو من رجال الشريف حسين، وعمل محافظاً (حارساً) على الخط الحديدي ومعه (300) هجّان موزعين عليه، وكان عليهم "عبدالله بن دخيل" شيخاً، ثم حج ومن معه مع المحمل الشامي والمحمل المصري للمحافظة على الحجاج والخط الحديدي وغيره من ممتلكات الدولة.

وبعد أن ترك "ابن دغيثر" الخدمة عند العثمانيين اشتغل لنفسه بالتجارة وكان يبيع الجمال والسلاح، حيث كان يجلب السلاح اليوناني والإيطالي بالسفن عن طريق البحر، ومن ثم يسير بها عن طريق البر حتى يصل ميناء رابغ، فيسلمها عميلاً آخر، وفي سنة 1331ه، حيث بوادر الانشقاق بين الشريف حسين -رحمه الله- والدولة العثمانية، وحينها أمره الشريف بتجنيد أفراد الهجانة من مكة والطائف وجنّدهم بقيادته وتحت إشرافه، وتوالت أحداث الحرب بين العثمانيين والشريف رغم تحفظ كثير من القبائل على هذا الانشقاق الحاصل في دولة الإسلام، إلاّ أن العرب انساقوا خلف دعوة الوحدة العربية ودخلوا في مواجهة مباشرة مع الدولة العثمانية، وعطّل حينها "ابن دغيثر" سكة الحديد.


ناصر بن علي بن دغيثر

ويروي "عبدالله العقيل" في ترجمته ل"ابن دغيثر"، قائلاً عن نفسه:"أخذت المفاتيح الخاصة بالتفكيك وذهبت ليلاً وقمت بتفكيك جميع البراغي الرابطة بين الوصلات الحديدية ووضعتها في أوعية وبالتالي انقطعت خطوط تموين الأتراك"، ذاكراً أن "ابن دغيثر" ذهب مع مائة من الهجّانة وقطع الطريق المؤدية إلى المدينة المنورة حتى يعوّق تقدم الجيش العثماني وتموينه، ولكن الدولة العثمانية هاجمت جيوش "الشريف" وجنوده فقتلت منهم (900) رجل منهم (800) من البدو، بعد ذلك قدم البريطاني الشهير "لورنس" إلى "ابن دغيثر" ومعه الشيخ "عودة أبو تايه" و"الشريف ناصر"، وبمعيتهم آمر من "الشريف فيصل" ل"ابن دغيثر" بأن يلتحق بهم، ورافقه (42) رجلاً من "العقيلات" واتجهوا جميعا نحو معان، ثم نزلوا مركز (القويرة) وسيطروا عليها، واتجهوا نحو العقبة وبقوا فيها يومين، ثم قدم إليهم "الشريف" عن طريق البحر ووصل جنوده عن طريق البر، ثم اتجهوا صوب سوريا، وأما "ابن دغيثر" ومن معه فاتجهوا إلى (زيزيا)، صوب قرية (سحاب) شرقي عمّان؛ ليتقصى أنباء الحرب.

قائد النجديين في ميسلون

كان ل"ابن دغيثر" دور بطولي في المعارك العربية زمن الحرب العالمية الثانية، تلك المعارك التي دارت رحاها في سورية بين العرب والفرنسيين في العشرينات من القرن الماضي، فقد أبلى بلاء حسناً في معركة (ميسلون) تلك المعركة التي كتب عنها الكثير من المؤرخين وشاركت فيها قوة عسكرية من نَجْد بقيادة "ابن دغيثر". ففي عام 1334ه، كان "ابن دغيثر" في ديرة (أبو شامة) من قبيلة "بلي" ومعه الشيخ "عودة أبو تاية"، والتقى هناك ب"لورنس"، وهو وكيل انجلترا عند "الشريف فيصل" الذي ذكر في كتابه (أعمدة الحكمة السبعة) أن "ابن دغيثر" كان قائد العقيلات في معركة ميسلون، و"ناصر الشريف" قائد الجيش ونائباً عن "الشريف"، والشيخ "عودة أبو تايه" قائد قبيلة الحويطات.

وعند وصول "ابن دغيثر" ومن معه من الجيش إلى سورية واستيلائه على مدينة حمص ثم حماة فحلب، أمره "فيصل الشريف" بأن يتوجه إلى دير الزور ومعه ما يزيد على (70) هجّاناً على سبعين ذلولاً وأربعة خيول، واستلموها دون قتال من الدولة العثمانية، وبقوا فيها قرابة شهرين، ثم رجعوا إلى دمشق وبقوا فيها شهرا بعدها سمح الشريف للعقيلات بأن يذهب كل منهم إلى أهله.

مارس التجارة مع «العقيلات» وعيّنه الملك عبدالعزيز قابضاً للزكاة في أكثر من منطقة

وبعد نهاية الحرب العالمية، وتنصيب الملك "فيصل ابن الحسين" ملكاً على سوريا كلّفه بعدها الشريف عام 1339ه بأن يجنّد جيشاً من الهجّانة للمشاركة في معركة ميسلون، وفعلاً اختار (500) هجّان من أهل نجد، وكانت أسلحتهم محدودة وذخيرتهم قليلة واستعدادهم ضعيفاً، إلاّ أن عزيمتهم كانت قوية وثقتهم بالله كبيرة.

وجعل "ابن دغيثر" على كل مائة هجان ثلاثة ضباط، وكان هو القائد لذلك الجيش، ثم دارت رحى المعارك بينهم وبين الجيش النظامي الفرنسي، وما إن دقت طبول الحرب حتى بدأ جنود "ابن دغيثر" في الفتك بالفرنسيين، وكادت المعركة تنتهي بهزيمتهم وانتصار أهل نجد، ولكن بعد أقل من ساعة من بدايتها انتهى العتاد الذي كان معهم، ففكّر "ابن دغيثر" في حيلة للخلاص من الحرب مع المحافظة على أرواح الجنود ومعنوياتهم، فأمر جنوده بإطلاق الجِمال فلما رأى الفرنسيون انهزام الهجن ظنوا أن الجنود فروا من الحرب فلحقوها، وهذا ما كان يخطط له "ابن دغيثر"؛ فتبعهم جنود "العقيلات" وقهروهم ورموهم بالسلاح، ولكن تنقلب المعركة بتحليق الطائرات الفرنسية في سمائها تضرب أهل نجد بالقنابل وهم عُزّل إلاّ من سلاح خفيف ورصاص قليل يقاومون به، وفي أثناء ذلك خشي "ابن دغيثر" على أفراد الجيش من الإبادة أو الأسر؛ فأمرهم بالخروج من الوادي حتى لا يبيدهم الفرنسيون أو يقبضوا عليهم مع استمرار المقاومة حفاظاً على معنوياتهم وما أحرزوه من انتصار، وبعد خروجهم من الوادي لمّ "ابن دغيثر" شملهم وتهدئتهم وتَفَقّدَهم ووجد القتلى منهم (13) رجلاً فقط، وبعد انتهاء الحرب عُلّقت صورة "ابن دغيثر" في ساحة المرجة بدمشق وهو يمتطي جواده ويشهر سيفه وتحتها (بطل ميسلون)، كما فصّل في ذلك الباحث "عبدالله بن صالح العقيل" في كتابه (بطل معركة ميسلون).

قابض للزكاة

بعد أن انتهى "ناصر بن دغيثر" من قيادة معركة ميسلون عام 1339ه 1920م عاد إلى القصيم، وجلس فيها فترة ثم سافر إلى المدينة المنورة وأخذ يعمل (جمّالاّ) يمارس التجارة كغيره من رجال العقيلات، حيث كان يشتري هو ومن معه الإبل والماشية من المدينة المنورة وما حولها من القرى والبوادي ويجلبونها إلى الشام ومصر والأردن ويبيعونها، ثم يشترون بثمنها بضاعة ويعودون لبيعها في أرض الجزيرة، واستمر على ذلك فترة من الزمن.

وبعد عودة "ابن دغيثر" إلى المدينة عام 1347ه/1928م، من تجارته مع العقيلات، بلّغه وزير المالية أمر الملك عبدالعزيز بتعيينه قابضاً لزكاة الحناكية التابعة لإمارة المدينة المنورة، ومكث في الحناكية فترة، ثم انتقل بأمر الملك عبدالعزيز إلى (السويرقية) وهي تابعة كذلك لمنطقة المدينة المنورة عاملاً على زكاتها، وفي نهاية عام 1352ه/1933م انتقل إلى الجوف ليعمل آمراً لماليتها، وبعد فترة توجه بأمر الملك عبدالعزيز إلى مكة المكرمة ومكث فيها فترة، وكلفه المؤسس بتحصيل الرسوم من الحجّاج بمقدار (4) جنيهات من كل حاج، وكان مع "ابن دغيثر" جهاز البرقية يرسل بواسطته البرقيات ويستقبل أخرى من الملك عبدالعزيز، ثم انتقل بعدها إلى المدينة المنورة موفداً من الملك عبدالعزيز ليجمع زكاة الأهالي هناك.

نص الوثيقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى قابض زكاة الحناكية بعده خرج علي عبيد بن صنت مائة وخمسين صاع حب ومائة وخمسين صاع شعير تكون قاعدة يكون معلوم.

  • وخطاب آخر من أمين المدينة بإبلاغ أمر جلالة الملك نصه:

حضرة عامل الزكاة الشيخ ناصر الدغيثر المحترم

نبلغكم بعاليه صورة الإدارة السنية الواردة إلينا من جلالة مولاي الملك المعظم في خصوص قاعدة عبيد بن صنت من زكاة الحناكية للعمل بموجبها هذا ودمتم. أمين مالية المدينة

نص الوثيقة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

من وكيل وزارة المالية حمد السليمان إلى أمين مالية الجوف ناصر بن دغيثر بحسب الإرادة السنية الملوكية يقتضي أن تأخذوا رسم الصادرات على السمن والجمال والأغنام التي تصدر لخارج المملكة خمسة ريال عربي على كل مائة كيلو من السمن، وأربعة ريال عربي على كل رأس من الجمال ونصف ريال عربي على كل رأس من الغنم رسما مقطوع وتعطوهم أوراق بما ترسموا بها، مع العلم أن الكيلو (312) درهم والأقة الأشبولي (400) درهم.

25 ربيع الأول 1353 ه.

وكيل وزارة المالية

حمد السليمان

حسو "ابن دغيثر"

بعد تلك الجولة الطويلة التي قام بها "ناصر بن دغيثر" موفداً من الملك عبدالعزيز وانتهاء فترة عمله في مكة المكرمة والمدينة المنورة، عاد إلى القصيم عام 1357ه/1938م واستقر فيها، وأخذ يعمل برعي الماشية داخل البلدة وفي البر، يبيع ويشتري منها، وفي عام 1360ه حفر بجوار منزلة كثر فيها الماء العذب وعرفت فيما بعد باسمه (حسو ابن دغيثر) وقد تركها سبيل لمن يحتاج للسقي.

وفاته

تقدم العمر ب"ابن دغيثر" فترك تجارة الماشية وتفرغ لحياته الخاصة وكان له مجلس مع وجهاء بلدته يتسامرون فيه ويتناقلون الأخبار، وحين قارب المائة من عمره تضاعفت أوجاعه وآلامه التي كان يعاني من بعضها منذ فترة شبابه، واضطر أبناؤه حينذاك إلى نقله لمستشفى القوات المسلحة بالرياض، إلى الخامس عشر من شهر ربيع الثاني عام 1407ه الموافق السادس عشر من شهر ديسمبر عام 1986م، أعلن الأطباء وفاة المناضل "ناصر بن علي بن محمد الدغيثر" -رحمه الله رحمة واسعة- عن عمر يناهز الثامنة والتسعين عاماً.


ساحة المرجة وسط دمشق 1920 شهدت القتال مع الفرنسيين

سكة حديد الحجاز حين قطع ابن دغيثر الإمدادات عن الأتراك

اسم وصورة ابن دغيثر معلقة في ساحة المرجة حيث شرف النضال والبطولة

صورة ضوئية لوثيقة وكيل وزارة المالية حمد السليمان موجهة إلى ابن دغيثر