في شبابك أنت مشغول بالتفاعل مع الضوضاء الخارجية والمساهمة في إضافة بصمتك لهذه الأصوات العالية، ُفي شبابك أنت تمر على كل ما يحيط بك مرور الكرام، فالتوقف لتلتقط أنفاسك يبدو رفاهية أو كسلاً أو تصرفاً يخرجك من التصنيف الشبابي للحياة التي تعني الحركة حتى لو كانت حركة عشوائية وبدون هدف! حين تكبر قليلاً يتغير "إيقاع الحياة" لا لأنك فقدت القدرة على التناغم مع سرعة الحياة بل لأن تفاعلك مع ما حولك لا يتلخص في ردة فعل أو في محاكاة الآخرين وتقليدهم. في هذه المرحلة أنت تبادر بالتحكم في إيقاع حياتك بدلاً من أن تتركه للآخرين وتكون صدى أو ردة فعل! لذلك قد تجد نفسك مشغوفاً بالتأمل الذي يشكل هنا مصدراً معرفياً لك.

تأمل طفلاً صغيراً في أعوامه الأولى أمامه لعبة لم يرها من قبل، لاحظ تعامله معها، قد يقذفها يميناً ويساراً، قد ينشغل بألوانها أو بملمسها أو قد يكتشف أنها تصدر أصواتاً موسيقية أو كلمات فيحاول البحث عن الصوت أو طريقة تشغيل الموسيقى. في تعامله هذا الذي قد يبدو عشوائياً وغير منظم وبلا هدف، يتعلم الصغير أشياء كثيرة. كأن يدحرج الكرة كي يسمع صوت الجرس الذي يرن حين تتحرك، أن يدفع السيارة كي تصدر أصواتاً تردد الحروف، أن يضغط "زراً" في لعبة كي تبدأ ببث الموسيقى. يكرر تصرفاته هذه وقد اعتلت على وجهه إبتسامه، فهاهو يتعلم. يتعلم أن اللعب بالكره يختلف عن اللعب بالقطار مثلاً.

وما دخلك أنت؟ ما علاقتك بموسيقى تتردد في فصل حضانة أو لعبة تتدحرج يركض خلفها الصغير. هل جربت أن تتأمله؟ هل لاحظت كيف يفصل نفسه عن كل المؤثرات الخارجية حين يكون منشغلاً بلعبته، قد تضطر لمناداة اسمه عدة مرات حتى يلتفت لك قد لا ينتبه لصحن الطعام الذي وضع كي يأكله، هو مشغول يتعلم وأنت قد تتعلم الكثير منه فقط لو توقفت لتتأمل، لو فصلت نفسك عن المشاغل المفتعلة من جوال ووسائل تواصل اجتماعي وجلست بجانبه وعشت لحظة هدوء تغمض عينيك فيها وتتفاعل معه.

قد تكتشف أنك جددت نشاطك وأعدت تناغمك مع بيئتك، قد تجد أنك تتنسم هواء نقياً منعشاً، قد تكتشف أنك أصبحت أكثر تواصلاً مع حواسك التي تعطلها أحياناً، أنت تنظر متأملاً ولا تمر على الأشياء مرور الكرام، أنت تستمع بتركيز وليس بلا مبالاة أنت تتواصل بطريقه إنسانية بعيداً عن الاتصال الإلكتروني الذي يحولك لمعرف بلا ملامح. هنا معه تتعلم وسائل أساسية للوصول لمعرفة كانت سبباً في أن تصل لما وصلت إليه اليوم فقد كنت طفلاً تشبهه في زمن مضى.

تتعلم من هؤلاء الصغار الكثير، تتعلم دهشة المعرفة الأولية، تكرار المحاولة، أن تكون على سجيتك، أن تكتشف الجديد أن تبدأ ببناء مخزونك المعرفي حسب قدراتك. الطفولة رحلة معرفية جميلة تبني من خلالها أدواتك المعرفية، من الأطفال تتعلم كما يتعلمون منك.